بالحرب أو بالسلم ، كمالم يخف انبهاره بحركة التعرب واسعة النطاق التي دخلتها أقوام كثيرة عن طواعية وطيب خاطر ، وأكبر عامل وراء هذا التعرب الاختياري من أولئك الأقوام يرجع في نظر الأفغاني إلى « الفضائل الأخلاقية والصفات العالية التي كانت تأتي بها العرب . مع بأسهم وشجاعة أبطالهم « 1 » » . ولأنّ لهذه الفضائل « السلطة الأدبية على من يتخلّق بها » فقد « انعطفت قلوب الأمم على استحسان الوافدين من العرب لبلادهم . . . « 2 » » ، ولم ينتظروا أن يكون التعرب فعلًا إكراهياً قسرياً حتى يلجوه .
وبما أنّ « الاعجاب بآداب قوم ، باعث على حب التقرّب منهم » وبما أنّ « أعظم وسائل التقرب : التفاهم » فقد تبارت الأقوام تلك في تعلّم اللسان العربي « 3 » . هكذا نصل إلى العنصر الثاني المتعلق باللسان العربي .
لاتتأتى قوة اللسان العربي وقيمته وتأثيره من قوة العرب العسكرية كما جاء وقائع الفتح تعبّر عنها ، وانّما هذه القوة كامنة فيه كلسان ، ذلك أنّ ما وجد في اللسان العربي من اللآداب الباهرة والحكم والأمثال والمواعظ . . . هو الذي أحله من انتشار هذا المحلّ » ، فاذن « ليس للفاتحين أدنى دخل فيه [ في انتشار اللسان ] . ولا اتخذوا له اسباباً ووسائل » « 4 » . ولعلّ « الغريب » في حديث الأفغاني عن اللسان العربي ، هو عدم ربطه له بالاسلام لتفسير كل تلك الخصال فيه ، عكس ما درج عليه في موضوعات أخرى لم يرلها مكاناً وقيمة الا في علاقتها بالاسلام ، فههنا نراه منبهراً بهذا اللسان حتى قبل الاسلام ، معدداً مزاياه ومشيداً بآثاره وادواره الأدبية والفكرية والتجارية « 5 » . بل لعلّ « الاغرب » من ذلك كله ان يقول الأفغاني في حق العرب واللسان العربي ، وهو في
هامش
( 1 ) . العروبة والتعرب . الخاطرات ، ج 2 ، ص 316 .
( 2 ) . المصدر نفسه ، ص 315 .
( 3 ) . المصدر نفسه ، ص 315 .
( 4 ) . فعاليات آداب اللسان ، الخاطرات ، ص 317 .
( 5 ) . المصدر نفسه ، ص 317 .