تكمن أيضاً في ضرب وحدتهم الدينية وعقيدتهم « 1 » ، لما قد يكون لها ( أي العقيدة ) من أثر في إعادة انتاج شعورهم بالحاجة إلى الوحدة .
إنّ هذه الحاجة إلى درء الخطر الاستعماري هي ما دعا الأفغاني إلى سلوك جميع السبل - على تناقضها - من تأسيس جمعية « العروة ا لوثقى » ذات الطابع السياسي الثوري المستقل عن الدول الاسلامية ، إلى الدعوة لاتحاد فارس وأفغانستان ، ( مع كيل المديح لإيران وأهليتها لتوحيد العالم الاسلامي ) « 2 » إلى عقد الرهان على الإمبراطورية العثمانية والسلطان عبد الحميد بالذات « 3 » . وهي سبل لم يكن الرجل معنياً بتعارضها أمام الخطر الاستعماري ، بل إنّ هذا الخطر هو ما دفعه - بصورة أساسية - إلى دعوته الشهيرة إلى « الجامعة الاسلامية » .
وإجمالًا ، إذا كان الأفغاني قد ارسى دعوته إلى الوحدة الاسلامية على أطروحته حول العصبية الدينية ( فضلًا عن واقع الظرفية الاستعمارية ) ، وإذا كانت العصبية الدينية لا تستقيم - في رأيه - إلّا متى فكّكت فيها العصبيات الفرعية ( الجنسية ، القومية ) وأسقطت شرعيتها في قيام الاجتماع ، فنحن نجد - رغم ذلك - في العديد من نصوصه ، خاصة المتأخرة منها ، دفاعاً عن العصبية الجنسية وعن الضرورة إليها ، ودفاعاً صريحاً عن العروبة ورابطتها . . . الخ . فهل يتعلّق الأمر بتناقض في الفكر أم تردد أم تحول ؟ ثم كيف نفهم هذا الانتقال في التعاطي مع قضية العصبية والتعصّب ؟ لنستعرض أولًا معطيات فكره حول العصبية الجنسية .
3 - العروبة والتعصّب للجنس
التعصب للجنس سبب من أسباب رقي الأمم وتنافسها في طلب المجد « 4 » ، وسبب من
هامش
( 1 ) . الانكليز والاسلام . العروة الوثقى . الاعمال . ج 2 ص 143 ، وكذا مقال التعصب ، نفس المجلد ص 44 .
( 2 ) . دعوة الفرس إلى الاتحاد مع الأفغان ، العروة الوثقى . الاعمال ، ج 2 ، ص 265 / 269 .
( 3 ) . المسألة الشرقية . الخاطرات . الاعمال ، ج 2 ص 17 / 19 .
( 4 ) . التعصب . العروة الوثقى ، الاعمال ، ج 2 ، ص 41 .