حال التفرق والتشتت السياسي والكياني ، وهوما كان في التاريخ الاسلامي منذ انفراط الخلافة في بغداد وتوزعها إلى عباسية وفاطمية وأموية ( في الأندلس ) وماجرّ اليه ذلك من وقائع الانقسام والتفكّك . فالاعتقاد المشترك ليس إلّا أساساً تكوينياً لها . ولكن بقدر ما هو أساس لها ، بقدر ما هو باعث عليها . ذلك أنّ نشر المعتقد أو حمايته يفترض كياناً للاسلام موحّداً يقوم بتطبيق الأمر الإلهي . هكذا تتجاوز وحدة المسلمين اشتراكهم في المعتقد - بعد أن تستوعبه - إلى قضية سياسية .
وإذا كان في عقيدة المسلمين « أوثق الأسباب لارتباط بعضهم ببعض » « 1 » ، فانّ في هذه العقيدة ما يجعل ذلك الارتباط شرطاً من شروط الاعتقاد ، أي ما يجعل الوحدة السياسية الاسلامية - بنظر الأفغاني - ذات علاقة بالأمر الإلهي ، ذلك أنّ « الاتفاق والتظافر على تعزيز الولاية الاسلامية من أشد أركان الديانة المحمدية ، والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين . . . » « 2 » بل إنّ المسلمين « بحكم شريعتهم ونصوصها الصريحة مطالبون عند الله بالمحافظة على ما يدخل في ولايتهم من البلدان . . . وهو فرض عين على كلّ واحد منهم إن لم يقم قومه بالحماية عن حوزتهم ، كان على الجميع أعظم الآثام » « 3 » . هكذا يطوق الأفغاني مخاطبيه من المسلمين بسلطة النصّ الديني وأحكامه ، مرتفعاً بقضية الوحدة الاسلامية إلى درجة التقاطع بين الحاجة والمقدس ، بل هكذا يعلن أنّ هذه الحاجة ما انطرحت على المسلمين إلّا بمقدار ما ابتعد تاريخهم عن الاسلام الأصل .
ب - وكما أنّ الوحدة عنده هي الوضع الطبيعي للمسلمين كما قضى بذلك الامر الإلهي ، فهي أيضاً الردّ الوحيد والصحيح على التحدي الاستعماري الزاحف على الممالك الاسلامية والمستوطن فيها ، وإذا كانت مخاطر الاستعمار تكمن في احتلال أراضي المسلمين وانتزاعها من أهلها ، وفي استعبادهم وحكمهم « 4 » وكسر شوكتهم السياسية ، فإنّها
هامش
( 1 ) . أسباب تخلف المسلمين ، العروة الوثقى ، الاعمال . . . ج 2 ، ص 62 .
( 2 ) . الوحدة الاسلامية ، ج 2 ، ص 27 .
( 3 ) . أسباب تخلف المسلمين ، ج 2 ، ص 62 .
( 4 ) . وهوكما اكد الأفغاني في العديد من المناسبات أمر معارض للتعاليم الاسلامية ، ص 26 مثلًا .