الكرامة ، وينظر إلى الأجنبي عنه كما ينظر إلى المهمل ، لا يعترف له بحق ولا يرعى له ذمة ، فيخرج بذلك ، عن جادة العدل ، فتنقلب منفعة التعصّب إلى مضرة » « 1 » . يتحول التعصّب هذا إلى شوفينية بغيضة ، تنتج كل أشكال الميز العنصري ضد الجماعات الأخرى ، وتعيش على أوهام التفوق والانتخاب الطبيعي أو الإلهي ، وقد يكون ذلك مدخلها إلى الانهيار الذاتي والتوقف عن العطاء ، أوالى الحروب الإمبراطورية التوسعية الجنونية التي قد ترتد وتنقلب عليها عند عتبة ما من التطور ، فضلًاً عن أنّ هذه النزعة ترسي « مدنية » قهرية لا روح فيها ولا قوام « شأن « المدنيات » الاستبدادية » .
وكما أنّ للتعصّب الجنسي درجات يتحدد وضعه وطبيعته باختلاف كل منها ، فكذلك في التعصب الديني ما يجعله مطلوباً ، وما قد يجعله بغيضاً ومبغضاً ، إذ « قد يطرأ على التعصب الديني من التغالي والافراط مثل ما يعرض على التعصب الجنسي ، فيفضي إلى ظلم وجور ، وربما يؤدي إلى قيام أهل الدين لإبادة مخالفيهم وسحق وجودهم » « 2 » ، وهذا عين ما يحدث في الحرب الصليبية على المشرق ، وفي الحرب المسيحية ضد مسلمي الأندلس « 3 » .
وإجمالًا ، لا تقوم الأمم والدول « 4 » - بحسب الأفغاني - إلّا بالتعصب - القومي اوالديني - ومن هنا ضرورته والحاجة المكينة اليه . وهذا ايضاً ما يفسر أهمية الموضوع في فكر الأفغاني ، وضغطه المستمر في نشاطاته السياسية ، والصحافية والفكرية .
لكن الحقيقة تقتضينا القول إنّ الالمام بموقف الأفغاني من التعصّب والعصبية يستدعي عدم الاكتفاء بالتعريف العام ، ومتابعة دعوته الفكرية والسياسية في هذا الإطار من خلال محطتين أساسيتين دافع في كلّ منهما عن موقف مختلف ، وكان لدفاعه ولموقفه ما يبرره أو يفسره في سياق المعطيات السياسية والتاريخية والفكرية التي عاشها ، وأثرت فيه
هامش
( 1 ) . المصدر نفسه . ص 41
( 2 ) . المصدر نفسه . ص 42 .
( 3 ) . المصدر نفسه . ص 43 .
( 4 ) . المصدر نفسه . ص 37 .