أحديتها النعرة . بما هي انتصار للرابطة ومدافعة عنها . فالتعصّب في الحالة هذه اذن يخرج من التعريف الجوهراني الطبيعي أو الطبعي إلى التعريف التاريخي أو الاجتماعي ( الرابطة ) .
لكن بمقدار ما يشير التعصّب إلى رابطة جنسية ( قومية ) اجتماعية مدنية ، فهويشير أيضاً إلى رابطة ثقافية روحية ، قد تدخل هي الأخرى في تكوين لحمة الرابطة الأولى وتعزيزها ، أو في استيعابها ضمن رابطة أشمل وأوسع ، إذ « توسّع أهل العرف فيه فأطلقوه على قيام الملتحمين بصلة الدين لمناصرة بعضهم بعضاً » « 1 » ، فصلة الدين هنا - التي تحقّق ذلك الالتحام بين جماعات قد تكون ملتحمة سلفاً برابطة الجنس أو الاجتماع هي الوجه الآخر لذلك التعصّب . وليس ينطوي الأمر هنا - في ما نعرض - على تفاضل أو أرجحية لهذه أو تلك من العصبيات أو من الأسباب الدافعة إلى قوة هذه دُون الأخرى ، بقدر ما ينطوي على أهمية الاحتفال المبدئي بالعصبية كرابطة تصنع بالجماعات ووحدتها : « فإنّ لحمة يصير بها المتفرقون إلى وحدة تنبعث عنها قوة لدفع الغائلات وكشف الكمالات لا يختلف شأنها إذا كان مرجعها الدين أو النسب » « 2 » .
التعصّب اذن ، مطلوب في ذاته ، وبقطع النظر عما هو منه يشتق مصادره ، وهو مطلوب لحاجات ضاغطة هي حاجات الجماعة : حاجتها في أن تتقوم كجماعة ، وحاجتها في تحصيل أسباب وحدتها وضمان تماسكها الداخلي ، وحاجتها في ردّ تحدي الانفراط أوالتشظي والانصهار في غيرها ، وحاجتها لالتماس وسائل النهضة والتقدم . . . الخ . لكن التعصب - شأنه شأن غيره - قد ينقلب إلى ضده متى صيغ في أشكال وأطر وعلاقات تنزع إلى الشطط بنزوع الجماعة إلى محورة العالم حول ذاتها . فللتعصّب « حدّ اعتدال وطرفا إفراط وتفريط » ، والخروج عن حدّ الاعتدال هذا خروج بالتعصّب عن معناه وعن وظيفته ، فالإفراط فيه « مذمة تبعث على الجور والاعتداء » ، وذلك أنّ « المفرط في تعصبه يدافع عن الملتحم به بحق وبغير حقّ ، ويرى عصبته منفردة باستحقاق
هامش
( 1 ) . المصدر نفسه .
( 2 ) . المصدر نفسه .