تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
معرض تبيان جدارة الرجل لتناول الموضوع - إلّا الإشارة والتنبيه إلى أنّ المسألة القومية في هذه الفترة بالذات لم تكن قد أخذت بعدُ ذلك المنحني الذي أخذته إبان سياسة التتريك ، والذي جعل القومية العربية عملة متداولة وقاسماً مشتركاً لدى معظم من تناظروا في الموضوع ، بل كانت لا تزال قضية متصلة بالصراع ضد الاستعمار ، وهذا ما يضفي على مساهمات الأفغاني ، قيمة مضاعفة ، فحين ينتصر الرجل للتعصّب العربي والعصبية العربية - وهوأعلم الناس بالرابح والخاسر في ذلك - فإنّه يصدر في الواقع عن مواقف وحسابات تنصف ماضي « الذات » وتستشرف مستقبلها وتنحت أسلحة ومعاول ذلك المستقبل . 3 - من يقرأ آثار الأفغاني لا شك يلاحظ أنّه « راوح » بين الدفاع عن « الذاتية الاسلامية » والدفاع عن « الذاتية العربية » دون أن يضعها موضع تناقض كلي . والواقع أنّها ليست مراوحة بالمعنى الحرفي بما يجعلها تفيد التذبذب أوالتردد أو عدم الحسم ، بل هي إلى وقائع التاريخ الذي عاشه ، وأحداث الصراع الذي شارك فيه أقرب منها إلى وضوح ذهني أونظري أو إلى اختيار فكري وعقائدي ما هكذا تبدت صلة ب - « الذاتيتين » - إذا صحّ التعبير - في شكل انتقال من الأولى إلى الثانية مع الإبقاء على الأولى ، وفي شكل عودة من الثانية إلى الأولى مع الابقاء على الثانية ، وهي حركة كان مدفوعاً بالتغيرات الحاصلة في شروط الصراع مع الاستعمار ، والأدوات والوسائل المفترضة للارتقاء إلى مستوى تلك الشروط المتغيرة ، مثلها هي ناشئة - أيضاً - عن نضج فكري وخبرة ومراس غنيين في التعامل مع موضوعات شائكة وبهذا الحجم من التعقيد والخطورة في آن واحد . ويهمّنا من كل هذا أن نثير الانتباه إلى أنّ هذا « الازدواج » في تفكير الرجل يمنح نصوصه قيمة استثنائية ، وذلك بمعنيين : بمعنى أنّ ذلك التوتر يشكّل عنصر إخصاب وزخم للنصّ الأفغاني في موضوع « الجنسية » ( القومية ) ، توتر يخرج النصّ من بداهته ، ويحمله على تفكير قَلِق غير سطحي ولا جاهز النتائج ، وبمعنى : أنّ هذا الازدواج الذي عاشته الثقافة العربية ككل - وتعيشه الآن - قد لخّصه الأفغاني في تفكيره ونصوصه ،