عنهم - ومكّنهم اعتمادها من درء خطر انشطار الوعي إلى حرب داخلية لا طائل منها ، فيما تدعو الحاجة - حاجة التاريخ والفكر أيضاً - إلى الإعراض عن النزاعات غير المشروعة أو المبّررة ، والالتفات إلى ما يجعل تلك « الذاتية » عصية على التفتيت والتذرر إلى أجزاء متناقضة ، ومفتوحة على إنتاج وإعادة إنتاج ذلك التعايش الفذّ بين عناصرها التكوينية ، أي : أنّها دعوة إلى التسلّح بهذه الرؤية التاريخية التي كان لهما الفضل في أنّها صاغت وضمنت التعايش - في الوعي العربي - بين مكونات بدت ، في لحظة من التاريخ ، وكأنّها متعارضة ، وهوالتعايش ( أوالتسوية الفكرية ) الذي أتاح للفكر العربي ، على امتداد القرن الجاري ، أن يتطور دون أن يتحكم بتطوره منطق الحرب بين مكوناته - كما تبدو نذره الآن - بل أن يتطور ويتغدّى من التعدّد والتنوع الذي ينطوي عليه تكوينه .
تلك هي الاعتبارات التي تدفعنا لإعادة طرح سؤال « الذاتية » وتوزّعها بين مكوّنين : إسلامي عربي ، من خلال مثقفي النهضة .
أولًا : لقد قصدنا أن نأخذ جمالالدين الأفغاني عينة مختارة - من ضمن مفكّري النهضة - نطلّ من تفكيرها على المشكلة هذه . ولم يكن الأمر اختياراً عشوائياً ، بل لاعتبارات واعية يمكن إجمالها في ما يلي :
1 - عُدّ الأفغاني ، بحقّ ، رائد المدرسة الفكرية العربية - الاسلامية النهضوية الحديثة ومؤسّسها الفعلي . فخلال إقامته في مصر والمشرق العربي مارس أبلغ تأثير على لفيف من التلامذة الذين أتيح لهم ان يؤسسوا - إلى جانبه - أو بعد وفاته تياراً نهضوياً عريضاً بمصر والشام ، تحرك في إطار المشكلات والقضايا التي أثارها أو صاغها « السيد » درساً وشرحاً في « الأزهر » والصحافة . . . الخ . وإذا كان محمد عبده وأديب إسحاق مثلًا ، قد تداولا ما أرسى الأفغاني مداميكه النظرية ( وبصرف النظر عن طبيعة المواقف السياسية التي اتخذاها قبل أو بعد ) فإنّ جيل لطفي السيد ورشيد رضا ثم اللاحقين يتصل إنتاجاً وتفكيراً بموضوعات المؤسس . وهذا إنّما يراد به القول : إنّ الإطار الذي رسمه الأفغاني لموضوعات التفكير النهضوي ظلّ الإطار الاشكالي الجامع لعمل المريدين
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 252
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٥٢