( وهي ليست متعارضة ، بالضرورة ، مع حاجة التاريخ والناس ) كلّما كان أميل للتوظيف في كل المعارك ، حتى أقلّها عدالة ، وأكثرها عبثية ومفارقة للمعقول « 1 » .
ومرة أخرى ، نجد في الوضع العربي ما يجعل هذا الحديث مشروعاً . فالوعي العربي المنشقّ على نفسه بين نصير ل - « الذاتية العربية » وبين مدافع مستميت عن « الذاتية الاسلامية » ما عاد يعلن عن رحابته العلمية والايديولوجية ، وما عاد متسعاً لقبول التعايش بين عنصرين كوناً ، ولا يزالان يكونان الاجتماع العربي الحديث والمعاصر : التعايش الذي انطوى عليه المجتمع وعاشته الجماعة في الفكر والوجدان قبل أن يرسيه رواد الفكر العربي الحديث تنظيراً وتأصيلًا في الثقافة والمجتمع .
وكثيرة هي الأسباب والعوامل التي تقف وراء نشوء هذا الانقسام وتعمّقه في الوعي العربي الحديث « 2 » ، ولكن أيضاً ، كثيرة هي الفرص المتاحة أمام هذا الوعي لكي يتجاوز ثنائيته الحادة هذه ، التي بلغت حدّ الطلاق النهائي ، ولكي يؤسّس رؤية أكثر عمقاً وثراءً وتاريخية لمسألة « الذاتية » ومصادرها وهيأتها النظرية والاجتماعية ، تفتح الباب أمام حركته - والجماعة العربية - لولوج قنوات ومسارب العصر دونما شعور بعقدة النقص والدونية الذي يدفعه إلى الاقتداء بالغالب - نظامه وفكره وقيمه - والاندماج في « كونيته » ودونما شعور بالخوف والعجز الذي يضعه في حالة نكوص أمام التاريخ الحاضر والكفاءة ، غير مسحوب ، إلى الماضي « 3 » .
هامش
( 1 ) . لنا في بعض « المثقفين » الذين ارتضوا لأنفسهم تسخير أقلامهم للدفاع عن معارك جانبية مثالًا صارخاً على ذلك .
( 2 ) . انظر : برهان غليون في ، الوعي الذاتي ، منشورات « عيون المقالات » . الدار البيضاء ، الطبعة الأولى 1987 .
( 3 ) . لا شك أنّ الوعي يكون ضعيفاً وقاصراً ، ولا تاريخياً في الحالتين معاً ، فالاندماج في ثقافة « الآخر » ليس صكاً حقيقياً للمعاصرة والتقدّم ، فإنّ أوروبا لا توزّع التقدم على غير أبنائها الذين صنعت وتصنع لهم وبهم حضارة التقدّم ، هذا فضلًا عن أنّ مريديها من أبناء « العالم الثالث » ومنهم مثقفونا ، لا يفعلون أكثر من أنّهم يستهلكون ولا يملكون عزماً كافياً لمواجهة تحدي العصر . كلا الحالتين يقود إلى الغربة : الغربة عن الحاضر . والمفارقة أنّ أوروبا صنعت أمجادها بنفسها ، لا بغيرها ولا بالاقتداء ، والماضي العربي - الاسلامي صنع أمجاده بنفسه ، بحاضره ، وبالاجتهاد ، وبالانفتاح ، على الثقافات العالمية ، لا بالانكفاء النكوصي . وكلا النظامين الأوروبي والعربي الاسلامي كان يملك الثقة بالذات والعقل المنفتح . وهذا هو ما يفتقده عقل النخبة الثقافية العربية المعاصرة - بجميع أجنحتها - فهولا يزال يواجه « الشاهد بالغائب » ويعيش عالة على الماضي العربي - الاسلامي ، وعلى أوروبا . . . ، ومن ثمة على نفسه . هكذا يتخلّى عن أن يكون جديراً بأن يرث حضارته العظيمة ، وعن أن يكون جديراً بمنافسة أوروبا .