بصورة سريعة ، أهميتها تكمن في إشارتها إلى أحد أسس السلطة كما تقيمها دعوة ذات بعد كوني ، وتشير الملاحظة إلى شكلين مختلفين ، وعلى الأغلب متعارضين ، أتبعهما كل من النموذجين : الاسلامي والغرب في تحديد لعلاقته مع الآخر ، أي مع خارجه ، حيث يتبنى الأول ( الاسلامي ) عملية الدمج ، ولكنّه لا يولي لإقليم أو لعرق أو اتنية ما ، أفضلية على غيرها ، ويقدّم الأفغاني عناصر أكثر دقة على المستوى التاريخي ، لمشكلة تقهقر الدولة الاسلامية ، فعدا تسلّق « العنصر الخارجي » إلى مراتب الدولة ، يرى الأفغاني أنّ الانحلال والضعف في رابط الملّة الاسلامية ، بدأ عند « انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يحوزوا شرف العلم والتفقّه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه ، كما كان الراشدون رضي الله عنهم . كثرت بذلك المذاهب وتشعّب الخلاف من بداية القرن الثالث من الهجرة ، إلى حدّ لم يسبق له مثيل في دين من الأديان ، ثم انثملت وحدة الخلافة فانقسمت إلى أقسام : خلافة عباسية في بغداد ، وفاطمية في مصر والمغرب ، وأموية في أطراف الأندلس ، تفرّقت بهذا كلمة الأمة وانشقّت عصاها ، وانحطت رتبة الخلافة إلى وظيفة الملك ، فسقطت هيبتها من النفوس ، وخرج طلاب الملك والسلطان يدأبون إليه من وسائل القوة والشوكة ، ولايرعبون جانب الخلافة » . ويضيف الأفغاني إلى هذا الانتقال في مفهوم السلطة من الخلافة إلى الملك ( وهوما يسمّيه ابن خلدون بالانتقال من الأحكام الخلافية إلى الأحكام السلطانية ) دورالمغول في تسريع الانشقاقات المذهبية .
مسؤولية العلماء
العنصر الثاني في انحلال الدولة الاسلامية تقع مسؤوليته على العلماء ، أي رجال الدين القادرون على إعادة اللحمة ( وهي فكرة عزيزة على المستشرق الإنجليزي جيب ) ، ويبدو أنّ العلماء ، كما يلاحظ الأفغاني بحقّ لم يعوا أهميتهم لدى الجمهور الذي يرى فيهم قطب الوحدة والاستمرارية في التاريخ الاسلامي : « لم يبق من جامعة بين المسلمين في الأغلب إلّا العقيدة الدينية مجردة عمّا يتبعها من الأعمال ، وانقطع التعارف بينهم وهجربعضهم بعضاً هجراً غير جميل فالعلماء ، وهم القائمين على حفظ العقائد وهداية