ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع ، فانّ حياته بحياته وبقاءه ببقائه ، وقد أدرك الأفغاني أنّ النصاب القادر على تحقيق الإطار القومي للاسلام هو ، هو الجهاز الديني ، ولم يستبعد الأفغاني ، خلافاً لتلميذه محمد عبده ، تحرك العلماء بهذا الاتجاه ، ما دامت عناصر هذه الامكانية موجودة ومتحفّزة : « أنّ الميل للوحدة والتطلّع للسيادة ، وصدق الرغبة في حفظ حوزة الاسلام ، كلّ هذه صفات كامنة في نفوس المسلمين قاطبة ، ( . . . ) ، وأرى أنّ العلماء لو وجّهوا فكرهم لايصال أصوات بعض المسلمين إلى مسامع بعض لأمكنهم أنّ يجمعوا بين أهوائهم في أقرب وقت ، ولس بعسير عليهم ذلك .
من الواضح ان جهد الأفغاني يتركّز على تسييس عناصر الديانة الاسلامية ، ليس فقط في مجال المعاملات ، أي العلاقة بين الافراد والجماعات ، بل أيضاً في مجال العبادات ولكن على أي أسس يمكن بناء هذه الوحدة الاسلامية ؟
العصبية عائق أمام الوحدة
هنا يضع الأفغاني عامل التعصّب للجنس بتعارض مع التعصّب للدين : « لا تكون الدول ولا يخلص لها السلطان إلّا بقوتين : قوة الجنس ، التي تدعو للاتحاد لمغالبة من سواهم ، ويكون فيه النعرة والعصبية والانتصار لجنسه . وقوة الدين الذي يقوم أمام الجنسية في جمع الكلمة وتوحيد الوجهة ، وطلب الغلب بتلك القوة لمن خالفهم فيها » . ويعتبر الأفغاني « أنّ التعصّب للجنس ليس أمراً طبيعياً » ، بل هومن « الملكات العارضة على الأنفس ترسمها على ألواحها الضرورات » ، وهذا ما يفسّر إعراض المسلمين ، على اختلاف أفكارهم « عن اعتبار الجنسيات ، ورفضهم لأيّ نوع من العصبيات ما عدا عصبيتهم الاسلامية ، فإنّ المتديّن بالدين الاسلامي متى رسخ فيه اعتقاده يلهوعن جنسه وشعبه ، ويلتفت عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة ، وهي علاقة المعتقد » . كما أنّ الأساس الحقوقي للمجتمع الاسلامي ، يعتبر تطبيق الشريعة ، هو قياس استواء المجتمع ، وليس علاقات السلطة التي ترتكز على قرابة الدم لأن « وازع المسلمين في الحقيقة شريعتهم المقدسة الإلهية ، التي لا تميّز بين جنس وجنس ، واجتماع آراء الأمة ، وليس للوازع أدنى امتياز عنهم إلّا بكونه أحرصهم على الحفاظ على الشريعة والدفاع عنها .