بالنموذج الغربي ، أي بتقنياته وقيمه . ولكن الرأسمالية عملت على تدميرالمجتمعات الأخرى مرتين : مرة في العض على محاور ديناميتها الأساسية وإزاحة الدورة الاقتصادية - الاجتماعية عن مراكزها ، ومرة أخرى في عدم رسملتها جدياً ، لأنّ ذلك يفترض خلق منافس يحظى بحيز من الاستقلال والتجانس فيما كانت الغاية هي جعل هذه الأراضي مصدراً للمواد الأولية وللزراعات الأحادية ، أي حقلًا مفتوحاً للنهب .
ضمن هذا المنظور يكتب الأفغاني : « إنّ الغرب في الحقيقة ليس من مصلحته إصلاح سير ، ولا إصلاح سيرة المبذر ، لترجع إليه حقوقه ، بل من أقصى أمانيه أن يتمادى الشرقي في غيه وإسرافه ، لكي يطول عهد العجز ، ومع تمادي الزمن ، أن يتم بعد الاستعمار ، التملّك والاستعباد » . وسوف يستخدم الغرب كل الحجج لتدخّله من حماية الأقليات والأجانب إلى تدريب الشعوب المحلية على إدارة حياتها السياسية ، ويبتكرون أمراء متنازعين يتوحّدون في إداء الطاعة للمستعمر فيما يبقى فعل الغربي هو : « برنامج يحمله من بلاده في محفظته ، ثم ينقله إلى ذاكرته وحافظته ، مسطور فيه : « شعب خامل جاهل متعصّب ، أراضي خصبة ، معادن كثيرة ، مشاريع كبيرة ، هواء معدل ، نحن أولى بالتمتّع بكل هذا » .
الوحدة الاسلامية :
إذا كان الأفغاني من الأوائل الذين أدركوا تلازم الانفصام مع منطق وسلوك التوسّع الرأسمالي الأوروبي ، فأن جهده الرئيسي سوف ينصبّ على صياغة إجابة تأخذ بعين الاعتبار العمق التاريخي للأمة الاسلامية . وتبتكر من هذا العمق بالذات عناصر أكثر قوة وصلابة ، ولن يتوانى الأفغاني عن إبداء تضامنه مع كافة أنماط الأجوبة التي أعلنتها فئات اجتماعية مختلفة بالرؤية والأساليب ضد الأجنبي ، فهو من ممهّدي الثورة العرابية ذات النزوع المحلّي ، ويتضامن مع ثورة المهدي ذات الطابع الرسالي . ولكنّه أراد ، بصورة ثابتة ، وصل هذه المقاومات المتعددة بالواحد الاسلامي ، من هنا إصراره على الخلافة العثمانية . وقضائه الفترة الأخيرة من حياته بجانب السلطان عبد الحميد في الآستانة ، دعياً إلى الجامعة الاسلامية .