تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
أوروبا ، ولا يراها مصري ، فإذا تولّى الانكليز مصر ( . . . . ) حرموا الوطنيين من الانتفاع معهم في تجارة السودان ، وهي من أغزر ينابيع ثروتهم التجارية ، وإذا التجأتهم الحوادث للجلاء عنها فقد اختصوا بمادة المنفعة التي ممكن أن تأتي من أقطار السودان ، وبذلك تتقوّض الكثير من بيوت التجارة في الأقطار المصرية ، ويعدم بخرابها آلاف مؤلّفة من النفوس ، فليس حقيقة الغرض من مدّ سكة الحديد من « سواكن » إلى « بربر » إلّا التوصّل إلى ينبوع متدفّق من ينابيع الثروة المصرية ، وتحويل مجراه عن مصر إلى جزائر بريطانيا » . ونظرة الأفغاني للنموذج الغربي بقيت ملونة بانسانية ملازمة بصورة عامة للتعمّق الاسلامي ، فالقاعدة الداروينية التي احتذاها الغرب ، أي تنازع البقاء ، يرى الأفغاني أنّه كان من الأصح التعبير عنها « بتنازع الفناء » . وأنّ التقدم العلمي الذي يدّعيه الغرب الرأسمالي كان تلقيحاً للبشرية بكوارث وحروب لا نهاية لها ، ولا أحد يضمن نتائجها المدمّرة على كل حال . اعتبر الأفغاني أنّ ظروف المواجهة اقتضت خلق أشكال أكثر فعالية ، فحين يتعامل الأمراء « المسلمون » مع الأقاليم الواقعة في حوزتهم شكلياً على أنّها إطارات متمايزة ، يستخرج الأفغاني حديثاً شريفاً ضد هذه القسمات الخلدونية للمجتمع : « ليس منّا من دعا إلى عصبية ، وليس منّا من قاتل على عصبية ، وليس منّا من مات على عصبية » . والتمايز والاحترام انّما يحصل بالتقوى : « إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم » . وأيضاً : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً » . وأحد الشعارات الثابتة التي دفعها الأفغاني ضد عملية التجزّؤ ، كان : « إنّما المؤمنون إخوة » التي تتكرر في أكثر من موضوع ومناسبة .

جمال الدين الأفغاني

إلحاق الأطراف بالمركز

لقد استطاعت أوروبا الرأسمالية إيجاد محطات تنظم وتتوسط العلاقات السياسية والمجموعات الاجتماعية الموجودة في إطار السلطنة العثمانية . وهذا التوسط سوف يسهّل عبر عمليات التبشير والاقتطاع الاجتماعي لفئات تتزايد يوماً بعد يوم عملية ربطها