تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
عبرها يستطيع القيام بنفي الآخر مرة بالقوة ، ومرة بالاقناع . كان الأفغاني مدركاً - إلى حدّ بعيد - هذه التعمية الايديولوجية : « مختصر المسألة الشرقية ، هي : العراك بين الغربي والشرقي ، وقد لبس كل منهما لصاحبه درعاً من الدين : فالغربي تذرّع بالنصرانية ، والشرقي بالاسلامية ، وأهل الديانتين كالآلة الصماء بأيدي محرّكيها . فالقائمون بالنصرانية يسخّرون الدين لأجل الدنيا ، ويحسنون أمر دنياهم وما تتطلّب مظاهر الحياة ، والعاملون بالاسلامية ، يسخّرون الدنيا لأجل الدين ، وإذ هم لا يعملون بأحكامه ، يخسرون الدين والدنيا معاً » . ويضيف الأفغاني : « إذ كان للضغينة الدينية شيء من الدخل في إيجاد المسألة الشرقية والاحتفاظ بها ، فإنّها ليست هي أسباب كل المسألة ، بدليل أنّ سلاطين آل عثمان فتحوا ، وتوغّلوا ، وضمّوا الممالك ، وكانوا يدينون بالاسلام ، ومن دخل في ملكهم وتحت سيطرتهم كانوا نصارى ، وأشد تمسّكاً بالنصرانية مما هم الآن ( . . . ) رضوخ الطوائف ، والامارات النصرانية للحكم العثماني الاسلامي ، أكبر دليل على أنّ مسألة الدين لم تكن هي وحدها الفاعلة في المسألة الشرقية . . » . ويرى الأفغاني أنّ الدول الأوروبية ساعية في قضم الحكم العثماني عبر مساهمتها في استقلال البلقان ، وستكون الحجة : عنصر الاسلاوي ، والصقلبي ، وكانت الحجة من قبل : تخليص النصرانية من الحكم الاسلامي ، والصحيح : قوي يحاول اقتناص وابتلاع الضعيف » . وتعليقاً على حوار أجراه الشيخ محمد عبده في لندن مع وزير الدفاع الانكليزي « هرتنكتون » يكتب الأفغاني في « العروة الوثقى » : أنّ الانكليز « يعتقدون أنّ الأمم الشرقية ، والأمة المصرية ، في درجة الحيوانات السائمة والدواب الراعية ، لا تتألم إلّا من الجوع وفواعل الطبيعة المادية ، وليس لها من الإحساس إلّا نوع من الانفعالات البدنية ، ولا تعرف من شؤونها إلّا ما به تقوم حياتها الحيوانية » . غير أنّ نقمة الأفغاني على الانكليز لا تصل إلى التزمّت العنصري ، ولا تدّعي تعريفاً علمياً للأمة الانكليزية ، بل كشف لمنطق المركزية الاتنية : « الأنكليز ، كأمة ، ليس من