ينكر أنّها من ارقى الأمم ، تعرف معاني العدل ، وتعمل بها ، ولكن في بلادها ، ومع الانكليز . تعلم أنّ للانسان حقاً في الحياة ، وهذا الانسان في عرفهم هو الانكليزي وغيره من البشر ليس بانسان ! ! شعار كل انكليزي ، وشعار دولة الانكليز : « أنّه ليس في الوجود إلّا الإله وحقّ الانكليزي » . فما زال الطمع الهائل مشبع به رأس كلّ انكليزي ، ويرى كل بقعة غنية ، كالهند أحقّ بها الانكليزي من أهلها ، وكل قطر خصب ، كالقطر المصري ، الانكليزي أولى به من أهله ومن أرباب الحقّ فيه ، متى كان الأمر كذلك ، وهوالواقع ، فلا يمكن أن يصدر عن أعمال الانكليز الاكل ظلم ، ولا يمكن أن تكون وسائلهم غير المكر والختل والخديعة . . » .
ويصل الأفغاني إلى اعتبار أنّ الاستعمار هو الوجه الرئيسي للمواجهة بين الشرق والغرب : « إنّ الاستعمار بمعناه الصحيح ومبناه الصريح ، هو تسلّط دول وشعوب أقوياء علماء على شعوب ضعيفة جهلاء » وعامل الغلب والقهر بالنسبة للافغاني هو « القوة والعمل يحكمان ويتحكّمان بالضعف والجهل » . ويرى بثاقب نظر أنّ « انقضاء أجل الاستعمار انّما يتم بزوال الأسباب التي مكنت أهله من التسلط ، وأكرهت الشعوب على الخضوع لهم » .
الاقتصاد السياسي للاستعمار
يتوخّى الأفغاني على صفحات « العروة الوثقى » إبراز أكثر دقة لآلية التبعية ، حيث كانت سياسة التجزئة تحوّل المركز الرأسمالي إلى نقطة توسط ، إلى محور ينظم الدورة الاقتصادية ، فمدّ سكة الحديد من « سواكن » إلى « بربر » بحجة تخليص « غوردون » من حصار المهدي له إنّما يهدف إلى الاستيلاء على السودان الشرقي ، وإقامة الصلة مع السودان الغربي ، هذه السكة عبر تأمين المواصلات بين البلاد السودانية ، سوف « تفتح للتجارة الانكليزية باباً وتغلق بصفته باب المنفعة عن مصر ، فتأتي بضائع البز ( ثياب الكتان أوالقطن » ونحوها مما يحتاج إليه السودانيون من انكلترا إلى « سواكن » ومن « سواكن » تذهب إلى السودان ، بدون أن تصل إلى أيدي المصريين ، وتنقل الأصناف التجارية السودانية من داخل السودان إلى « بربر » ، ثم تحمل إلى « سواكن » وتصدّر إلى