يمكن » واستكملوا نزاعاتهم السابقة وحبس أنفسهم في النصوص ، واضعين المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية تجاه هويتهم ، فيما كان الأجنبي يحفر في البنى المحلية حيثما استطاع ، وينقل تدريجياً إدارة الحياة ، أي الاقتصاد والثقافة والتعليم إلى الدوائر التابعة إليه مباشرة أو غير المباشرة . هذا فيما كانت القوى الشعبية تستلهم من تاريخها العملي إمكانيات انتقاض لا تحدّ ، وتكثّف مواجهتها على أرضية المعاش ، عبر « الأخويات » والتعاونيات الحرفية ، وحلقات الصوفية : المهدية والسنوسية على سبيل المثال .
وبالطبع ينبغي الأخذ بعين الاعتبار المقاومة النسبية التي وجّهتها النخب الحديثة التي نمت في كنف التغلغل الرأسمالي وإن كانت هذه المقاومة تتم غالباً على أرضية الغالب ، وتستلهم شعاراته ومثله . وهي هذه المقاومة بالذات التي لعب الأفغاني دوراً بارزاً في صياغة برنامجها ونشاطها . ولكنّه كان يميل إلى التضامن مع أشكال الانتفاض كافة ، بغضّ النظر عن المثال الذي تتوخّاه هذه الحركة أوتلك ، داعياً بصورة ثابتة الإدارة العثمانية إلى أداء مسؤوليتها التاريخية تجاه الأمة وحفظ وحدتها .
شرق غرب أم غالب ومغلوب
أعاد الأفغاني صياغة المواجهة بين المركز الرأسمالي والمجتمعات الأخرى ، متلمّساً التعابير الأكثر دقّة في تعيين طبيعة وعناصر هذه المواجهة . فالاستشراق استكمل المجابهة بين الاسلام والمسيحية الغربية على قاعدة معطيات الثورة الصناعية وحاجيات التوسّع ، وانتج بصورة ميكانيكية سلسلة من الثنائيات ( شرق / غرب ، اسلام / مسيحية ، حاضر / ماضي . . . الخ ) ، استخدمها بشكل ذرائعي من أجل تسمية وأخضاع الشعوب الأخرى ، ففي أدبيات التاسع عشر تراكب الشعور الديني وتصالح مع العقلاني والعلمانية التي ترى في علاقات القوة مؤشراً وحيداً لتصنيف وتقديم الآخرين ، اللورد كرومر أحد كبار ممثلي الاستشراق العلمي ، والذي حكم مصر ما يناهز ربع قرن ، كان يرى أنّ تخلّف المسلمين يعود إلى ديانتهم المتزمتة ، أمّا تخلّف الأقباط فيعود إلى شرقيتهم ، وحين نشير إلى الاستخدام الميكيافيلي فليس ذلك من قبيل الانشاء ، بل لأنّ الخطاب الاستشراقي هو بالدرجة الأولى خطاب حرب ، أي خطاب يعمل على إيجاد نقاط ولوج استراتيجية ،