الأوروبية من جهة والقوى العثمانية من جهة أخرى ، إضافة إلى نموالاتجاه المحلي ذي الشعارات القومية ( مصر للمصريين ) استطاع هذا الاتجاه الذي تمحور حول احمد عرابي ، أن يدمج مجموع التململات الاجتماعية ( الفروقات الاتنية ، هيمنة العنصر التركي والشركسي على الجيش على حساب أبناء الفلاحين المصريين ، مركزة الجهاز السياسي والإداري وحصر القسم الكبير من الملكيات الزراعية في أيدي حاشية الخديوي وعائلته ، إضافة إلى تزايد التغلغل الأجنبي في المجال الاقتصادي والمالي والاشغال العامة بصورة أساسية ، حيث شكّلت الجالية الأوروبية نوعاً من دولة داخل الدولة ، وأدخلت في زبانتها وفي حقل اشتغالاتها قسماً من الأقليات ( المسيحيون الشوام ، الأرمن ، اليونانيون ) على حساب الأغلبية الساحقة من المصريين ( مسلمون وأقباط على حدّ سواء ) .
الاتجاه الذي قام بصياغته - بصورة أساسية - جمال الدين الأفغاني سيصبح موضوع نزاع بين التيارات الفكرية والسياسية اللاحقة ، وستصبح أفكار الأفغاني حلبة لسجال لم ينته حتى أيامنا هذه ، سجال يتناول الهوية والوحدة ، وتثبيت أشكال المقاومة ضد الأجنبي ، وبلورة مشروع إيجابي من قلب الثقافة الاسلامية يكون حاصل جهد مزدوج باتجاه التاريخ الاسلامي نفسه ، عبر قراءة نقدية للتقطّعات التي أصابته وباتجاه « شروط الحياة الحديثة » هذه الشروط التي استعملت كغدر ايديولوجي من أجل ترسيخ المركزية الأوروبية ونهب المجتمعات « المتخلّفة » .
ولكن من هو هذا الأفغاني الذي أفنى حياته متنقلًا بين أفغانستان وإيران والهند ومصر وروسيا وباريس واسطنبول ، وحيثما حلّ أحدث ضجة وتململًا ، هذا الرجل الحالم بالجامعة الاسلامية ويقظة الشرق ، الذي إذا سئل عن موضع معرفته وعن مكتبته أشار إلى صدره ، إلى موضع القلب .
التجربة الأفغانية : دروس في المواجهة
قبل أن ننتقل إلى معالجة الملامح الفكرية للأفغاني ، ينبغي الإشارة إلى الرصيد العملي والخبرة السياسية التي حظي بها الأفغاني ، عبر انخراطه المبكر في الصراع الذي كان دائراً