على صدق نية الرجل ، وشجاعته المثالية ، ونزاهته . وقبل أن نتعرض لنماذج من انطباعات مترجميه ، نذكر انطباعات بعض المعاصرين منهم على طريقه اللفّ والنشر الغير المرتب ، أي نبدأ بآخر مترجميه الذي قال في ختام ترجمته إياه : « مات جمال الدين في القسطنطينية في أواخر القرن التاسع عشر مصاباً بالسرطان في لسانه ، ولهجت الألسن بعد ذلك إنّه ذهب ضحية خصومه كما هي العادة في الشرق ، وهذه شائعة لا أثبتها ولا أنفيها .
ولكن ماذا كانت حياة جمال الدين الذي كان من عظماء العالم ؟ إنّه كان كسقراط في حكمته وقدرته على تكوين الرجال ، وكان كابن خلدون في علمه واتساع دائرة معارفه .
وكان كديموستين في فصاحته وخطبه ، لقد عاش مضطهداً مطارداً ، ولم يتمكن في واحدة من الممالك الاسلامية الشرقية التي عاش فيها وأحبّ خيرها ، وخدم شعبها ، من أن يعيش عيشة راضية ، أو يتمتع بحياة هادية ، ولم يؤسس أسرة ، ولم يبن بيتا ، ولم يدخر مالًا ، ولم يتولّ منصباً ، بل عاش عيشة المفاليك المشردين ، يبيت ليلته ولا يدري أين يكون صباحهُ ، ومع ذلك فهو الرجل الوحيد الذي أيقظ الشرق من رقدته التي نامها سبعة قرون ، منذ اجتاحه المغول من الشرق ، والاوروبيون من الغرب ، هوالرجل الذي أنهض الشرق بعد أن يئس كل من عداه من إيقاظه » « 1 » .
وقال عنه الكاتب الفرنسي آرنست رنان « 2 »
Ernest Renon
الفيلسوف الشهير قال : « كنت أتحدث اليه ، فكان يخيّل إليّ من حرية فكره ونبالة طبعه ، وإخلاص قلبه ، أنّي أرى وجهاً لوجه أحد معارفي القدماء ، وانّي أشهد ابن سينا أو ابن رشد أو واحداً من أولئك الأحرار العظام ، الذين مثلوا خلال خمسة قرون ، تقاليد الفكر الانساني » .
ولنرجع إلى مواصلة الحديث عن نماذج من انطباعات بعض المؤرخين الذين ركزنا
هامش
( 1 ) - نشرته جريدة «Les Debats» الباريسية في عددها المؤرخ في 19 ماي 1883 نقله عنه د . عثمان أمين في تأليفه « رائد الفكر المصري محمد عبده » ص 305 .
( 2 ) - علماء في وجه الطغيان ، لمحمد رجب البيومي .