هناك شك في أنّ لجمال الدين يداً في الحركة العرابية ، ومن المحقق أنّ المبدأ الوطني الذي سيطر على تلك الحركة من غرسه » وأيّد نظريته بما كتبه الأمير شكيب أرسلان في الموضوع حين قال : « وإن كان هبّ على ذلك الزرع من سموم الجهل ونقصان التربية السياسية ، ولفحة الدسائس الأجنبية ، شأن تلك الدسائس على كل نهضة تحدث في الشرق ، أوحركة إصلاح تشفق من ورائها الدول أن تتمزق حجب الغباوة التي هي أصدق عوامل الاستعمار » « 1 » .
كما كان لخطبه على قلّتها في التجمعات الجماهيرية تأثيرها في الثورة ، سجّلت خطبة قالها في الإسكندرية قبل خلع الخديوي إسماعيل بمدة قليلة ، قال فيها مخاطباً الجماهير : « أنت أيها الفلاح المسكين ، تشقّ قلب الأرض لتستنبت ما تسدّ به الرمق ، وتقوم باود العيال ، فلماذا لا تشقّ قلب ظالمك ؟ لماذا لا تشقّ قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك » « 2 » .
ولنواصل حديثنا عن مراحل حياة المترجم بعد مغادرته مصر ، فإنّه قصد حيدر آباد بالهند ، إلّا أنه بمجرد اندلاع ثورة عرابي نقل من حيدر آباد إلى كلكوته التي الزم بالإقامة الإجبارية فيها ، ثم أذن له في الذهاب إلى أوروبا ، فغادر الهند ومرّ في طريقه إلى باريس على لندن ، واختار الإقامة بباريس ، لما كانت تتمتع به من سمعة اكتسبتها من ثورتها المشهورة ، فأنشأ فيها جريدة « العروة الوثقى » التي أسند رياسة تحريرها لتلميذه - الذي لحق به فيها - وهوالشيخ محمد عبده ، وقد تمكّن من إصدار ثمانية عشر عدداً منها ، ثم تعرضت طريقه صعوبات ، حيث منعت الجريدة من الدخول إلى الهند ، وصودر كثير من أعدادها في بقية البلدان التي كانت تخضع للنفوذ البريطاني مباشرة أوبواسطته ، فخاب أمله في بلاد الحرية وغادرها سنة 1303 ه / 1885 م .
اهتم كثير من المؤرخين بترجمة مراحل حياة جمال الدين الأفغاني ، وهذه التراجم وإن اختلفت في بعض تفاصيلها أو في بعض المؤثرات عليها ، فكادت أن تتفق في مجموعها
هامش
( 1 ) - حاضر العالم الاسلامي شكيب أرسلان ج 2 ص : 289 - 303 .
( 2 ) « حوليات مصر السياسة » أحمد شفيق باشا .