تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
لقد لجأ الأفغاني أولًا إلى الملوك أنفسهم ، وحاول هدايتهم بالعلاقة الشخصية ، وقد نجح فعلًا في إقناع شاه الفرس بضرورة إعطاء الدستور إلى شعبه ، وتمكّن من قلب الشاه ، وبذل له الإخلاص كله ، وامتزج بالمصلحين من الشعب الفارسي ، بعد أن استمالهم إليه بعقله وعلمه وفصاحته وشخصيته الجذابة . ولمّا اضطهد وتآمروا ضده ، سافر إلى بلاد الهند ، وشعر الإنجليز بقوته ونفوذه فنفوه ، فذهب إلى الأفغان ، وكانت مملكته تتناهبها المظالم ، وهي واقعة تحت السلطة الإنجليزية ، لأنّها خطر على أبواب الهند ، فلم يكن الدور الذي لعبه فيها عظيماً ، ولكنّه لقّحها ، وترك فيها خميرة صالحة كما ترك خميرة في فارس ، وكما ترك آثاره في الهند » اه . وقبل أن أنهي هذه الدراسة ، نرجع مرة ثانية إلى تتبع مراحل حياة جمال الدين بعد خيبة أمله في باريس كما تقدم ، إلّا أنّ مدة إقامته في باريس تركت أثراً محموداً ، فعلاوة على الاعداد التي أصدرها من جريدة العروة الوثقى ، والتي رددت صداها الأوساط الشرقية والغربية ، فانّه اغتنم فرصة وجوده بها ، ليردّ على بعض الكتاب الأوروبيين ، الذين كانوا يتطاولون على الاسلام ، وكان من بين هؤلاء آرنست رينان
Ernest Renon
الذي ذكرنا انطباعاته عن جمال الدين ، وقد سبق لجمال الدين عندما كان بحيدر آباد ، ووردت عليه استفتاءات من علماء الهند عن بعض الطوائف ظهرت فيها ، فألّف رسالته المشهورة « برسالة الردّ على الدهريين » ، غادر باريس تلبية لطلب شاه إيران ، الذي عرض عليه أن يتخذه مستشاراً للملكة ، وعندما عرض عليه الاصلاحات المستعجلة التي من بينها أحداث برلمان يختاره الشعب ، ورأى الشاه أنّ علماء فارس ، ونخبتها التفّوا حوله ، سارع إلى التخلص منه ومن إصلاحاته ، فنفاه ورمى به خارج حدود بلاده ، فغادر جمال الدين فارس مكرها ، ورجع مرة أخرى إلى الآستانة حيث لقي الحفاوة والتبجيل من الخليفة عبد الحميد ، الذي أعدّ لسكناه قصراً ملكياً ، وعرض عليه أرقى منصب ديني في الخلافة - مشيخة الاسلام - وقد اتفق مؤرخو تلك الفترة ، أنّ الخليفة عبد الحميد كان يتفق تماماً مع جمال الدين في فكرة الجامعة الاسلامية ، إلّا أنّ