وكان له يد في الثورة العرابية ، التي أوقدت نارها في وجه الغربيين ، فلمّا احتلّ الانكليز مصر سنة 1882 نفوا جمالًا للحال فزايل مصر ، وأنشأ يسيح في مختلف البلدان ، حتى وصل إلى القسطنطينية ، فتلقّاه عبد الحميد ، بطل الجامعة الاسلامية بالمبرة والكرامة ، وقرّبه منه ، ورفع منزلته فسحر جمال السلطان الداهية ، بتوقّد ذكائه ونفسه الكبيرة ، فقلّده السلطان رياسة العمل في سبيل الدعوة للجامعة الاسلامية ، ويغلب أنّ ما ناله السلطان عبد الحميد من النجاح في سياسته ، في سبيل الجامعة الاسلامية ، إنّما كان على يد جمال الدين الأفغاني المتوقد الهمة ، المشتعل العزم ، والتحق جمال الدين بالرفيق الاعلى سنة 1896 شيخاً وعاملًا كبيراً في سبيل النهضة الاسلامية حتى النفس الأخير من أنفاسه » .
والنموذج الثاني من هذه النماذج ما قاله الكاتب الشهير محمد لطفي جمعة في تأليفه « حياة الشرق : دوله وشعوبه وماضيه وحاضره » قال تحت عنوان « الزعماء في الشرق » : « لقد ظهر في الشرق زعماء سياسيون كثيرون ، بل في كل ناحية من ناحيات الشرق العربي ، وفي مصر خاصة ، ونحن نذكر منهم على سبيل المثال جمال الدين الأفغاني وأحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول . . إلى أن قال : أمّا جمال الدين الأفغاني فكان في الحقيقة مصلحاً عاماً للدين والسياسة والاجتماع ، ولكن السياسة كانت الصبغة الغالبة على مبادئه ، ولعلّه اتخد الإصلاح الديني ، والإصلاح الاجتماعي ونشر الفلسفة وسيلة للاصلاح السياسي في نظره ، ينحصر في نقطتين :
الأولى ، تحرير الشعوب من الحكم الاستبدادي ، أي من ظلم الحكّام الشرقيين المطلقين ، الذين كانوا لعهده في فارس والأفغان وتركيا ومصر ، وعندما ظهر لأول عهده ، لم تكن أوروبا قد هجمت على الشرق هذا الهجوم الفظيع ، بل كان الإنجليز في الهند وحدها ، والفرنسيون في الجزائر .
ونظر بعد ذلك في تخليص أمم الشرق الواقعة تحت حكم الأجنبي ، وارتأى الخلاص الشعوب الاسلامية مما كانت واقعة فيه لعهده ، تأليف الجامعة الاسلامية تحت رعاية الخليفة ، ولم يكن لعهده رجل يصلح لتولّي هذا المنصب سوى السلطان عبد الحميد .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 185
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٨٥