تسنّ القوانين ، وتنفذها باسمكم وإرادتكم ، يكون ذلك أثبت لعرشكم ، وأدوم لسلطانكم » وانتهى اللقاء ، بعد أن لمس توفيق خيبة مسعاه ، ثم علّق صاحب المقال على هذه المقابلة بقوله : « لقد كان جمال الدين يدرك بعد هذه المقابلة أنّ أيامه في مصر محدودة ، فانبعث يشعل اللهب ، بخطبه وأفكاره ، وكانت به حدة قاسية تلجئه إلى العنف الصريح دون مواربة ، فأنشأ محفلًا ماسونياً جديداً ، بلغ أعضاؤه أكثر من ثلاثمائة عضو ، من نخبة المفكّرين والناهضين المصريين ، وكان في هذا المحفل مطلق الحرية ، نظم شعباً للأعمال المختلفة ، فشعبة للحقانية ( أي العدالة ) وأخرى للمالية ، وثالثة للاشغال ، ورابعة للجهادية ( أي للجيش ) وهكذا لكل وزارة ومصلحة شعبة ، تدرس كل شعبة شؤون وزارتها ومصلحتها ، وتعرف ما يقع من الظلم ، ووجوه الاصلاح فيها ، ثم كل شعبة تتصل بالوزير المختصّ ، وتبلغه رغباتها في أسلوب حازم صريح ، فكان لذلك هزة ( في الأندية والمجتمعات ) « 1 » .
ثم ختم دراسته بالظروف التي أعقبت نشاطات جمال الدين بمصر ، فقال « وصاحب ثورة كهذه الثورة ، لابد أن يحارب بعنف ، فقد تعاون الاستعمار الخارجي ، والطغيان الداخلي ، على إبعاده ، فغادر مصر ، ولكن بعد أن أعدّ الموقد وأشعل الثقاب » « 2 » .
وهذه آراء معظم مترجمي جمال الدين عن مدة إقامته في مصر ، تلك الإقامة التي قال عنها بعض مترجميه : « ما من قطر من أقطار الشرق أثّر فيه جمال الدين ، مثل تأثيره في مصر ، فهومن أوائل العاملين على تطور الروح الوطني في هذه البلاد » « 3 » .
ومن ذلك أنّ جلّ مترجميه اعترفوا أنّ الثورة العرابية المصرية من أثر دعوته ، إذ كان لكلامه أثر عميق في إيقاظ الناس ، وتنبيههم إلى حقوقهم ، فاتجه الناس إلى نقد تصرفات أصحاب السلطان ، وأخذت تتضاءل عقيدة سيادة الحاكم ، وحقّه المطلق في التصرف في شؤون الرعية ، والذي استدلّ عليه كثير من مؤرخي الثورة العرابية هي قوله : « وليس
هامش
( 1 ) - عن كتاب زعماء الاصلاح ، نقلًا من محمد المخزومي باشا .
( 2 ) - المصدر السابق .
( 3 ) - « الإمبراطورية المصرية في عهد إسماعيل » لمحمد صبري باشا .