1871 م ، بل الذي أوغر صدورهم عليه ، نشاطاته السياسية ، ومن ذلك ما ذكره صاحب كتاب « علماء في وجه الطغيان » الذي قال في ترجمة جمال الدين وخروجه من مصر مبعداً .
قال : « لقد اتجه إلى مصر ليصل رسالته في البعث والإيقاظ ، وقد زارها مرتين ، فعرف وجوهها وأحوالها ، واتصل بأزهرها الاسلامي ، ليتخذ من طلابه دعاة يهدون بالحقّ وبه يعدلون ، ولم تكن الأحوال في مصر بأحسن منها في الهند ، فقد استدان إسماعيل وبالغ في القرض والتبذير ، حتى جرّ الاستعمار إلى وطنه ، وقد ألف الناس الاستكانة والانصياع ، فأخذ يتفح العيون على ما يجري في البلاد من أهوال ، ويتصدر المجالس ليعلن آراءه في الحكّام ، وبرامجه في الاصلاح ، ثم اختار صفوة من تلاميذه ودفعهم إلى الكتابة في الصحف ليصوروا الفساد الداخلي ، ويفضحوا الطغيان الخارجي ، ثم يرسموا طريقة الخلاص بالاستقلال التام ، وإقامة حكومة دستورية تخضع لبرلمان متيقّظ ، يحاسب على التبذير والرشوة ، ويحدّ من الفردية الدكتاتورية في الحكم والسلطان ، وقد عزل إسماعيل في هذه الظروف التي خلقتها مآسيه المتلاحقة وجاء ولده توفيق ، وكان ذا صلة بجمال الدين ، فأدرك الحاكم الجديد قوة تأثيره ، وأراد أن يلاطفه ليرجع عن مبادئه في الحرية والاستقلال وهما منه ، أنّ الرجل قد يستجيب وينسحب دون ضوضاء ، وكان أن هيأ اجتماعاً عاجلًا في القصر الخديوي ، بدأه توفيق فقال مداهناً ، مراوغاً : إنّي أحبّ كل خير للمصريين ، ويسرني أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقي والفلاح ، ولكن مع الأسف ، أنّ أكثر الشعب جاهل ، لا يصلح أن يلقي عليه ما تلقونه من الدروس والأقوال المهيجة ، فيلقون أنفسهم والبلاد في تهلكة .
فاعتدل جمال الدين في مجلسه ، ثم رفع رأسه ليقول في اعتداد : « ليسمح لي سمو أمير البلاد أن أقول له : « إنّ الشعب المصري كسائر الشعوب ، لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بين أفراده ، ولكنه غير محروم من وجود العالم والعاقل . فبالنظر الذي تنظرون به إلى الشعب المصري ينظر إليكم ، وإن قبلتم نصح هذا المخلص ، وأسرعتم في إشراك الأمة في حكم البلاد ، عن طريق الشورى ، فتأمرون بإجراء انتخابات نواب من الأمة ،
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 180
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٨٠