عبده الذي خصّص له ترجمة قال فيها مشيراً إلى موقف علماء مصر منه ما يلي : « هذا ما حسده عليه أقوام واتخذوه سبيلًا للطعن فيه من قراءته بعض الكتب الفلسفية أخذاً بقول جماعة من المتأخرين في تحريم النظر فيها ، على أنّ القائلين بهذا القول لم يطلقوه ، بل قيّدوه بضعفاء العقول ، فصار النظر خشية على عقائدهم من الزيغ . أمّا الثابتون في إيمانهم فلهم النظر في علوم الأولين والآخرين من موافقين لمذاهبهم أومخالفين ، فلا يزيدهم ذلك إلّا بصيرة في دينهم ، وقوة في يقينهم ، ولنا في أئمة الملة الاسلامية ألف حجة ، تقوم على ما نقول ، ولكن تمكّن الحاسدون من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل ، وأذاعوا ذلك بين العامة ، ثم أيدهم أخلاط من الناس من مذاهب مختلفة كانوا يرقون مجلسه ، فيسمعون مالا يفهمون ، ثم يحرفون في النقل عنه ، ولا يشعرون ، غير أنّ هذا كله لم يؤثر في مقام الرجل من نفوس العقلاء العارفين بحاله ، ولم يزل شأنه في ارتفاع ، والقلوب عليه في اجتماع ، إلى أن تولّى خديوية مصر محمد توفيق باشا . وكان السيد من المؤيدين لمقاصده ، إلّا أنّ بعض المفسدين ومنهم مستر فيقيان قنصل إنجلترا العام سعى فيه لدى الخديوي ، ونقل المفسد عنه ما الله يعلم أنّه بريء منه حتى غير قلب الخديوي عليه ، فأصدر أمره بإخراجه من القطر المصري ، ففارق مصر إلى البلاد الهندية سنة 1296 ه / سبتمبر 1871 م وأقام بحيدر اباد . . . الخ » . اه .
هذا ما قاله الشيخ محمد عبده في دراسته الخاصة التي نشرتها دار الهلال تحت عنوان « الثائر الاسلامي جمال الدين الأفغاني » رمضان 1393 أكتوبر 1973 عدد 274 .
وقبل أن نواصل حديثنا عن حياة جمال الدين نقف وقفه قصيرة لمزيد من البيان والتوضيح عن حياة جمال الدين في مصر ، التي كانت منطلقاً لتعاليمه في البلاد الاسلامية بصفة عامة ، وفي البلاد العربية بصفة خاصة ، كما يظهر لنا من هذا البيان أنّ الدعوة إلى دراسة الكتب الفلسفية ، وتحريض جمال الدين تلامذته على مزيد من الاهتمام بها ، ليست هي التي أوغرت صدر الخديوي محمد توفيق ، أو وشايات قنصل انكلترا العام ، الذي تسبّب في إصدار الأمر بإخراجه من مصر التي فارقها للأبد سنة 1296 ه /
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 179
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٧٩