يقله ، وأوّلوا كلامه فاتهموه بالزندقة والزيغ ، وهذه التهم هي التي كانوا يروجونها عليه خفية ، فلمّا سخت لهم الفرصة اتهموه بأنّه في محاضرته بدار الفنون زعم أنّ النبوة صنعه ، حيث ذكرها في خطاب يتعلّق بالصناعة ، ولم ينتظر شيخ الاسلام ردّ فعل المحاضر جمال الدين ، حتى فاجأه بالايعاز إلى خطاب المساجد ، ووعّاظها ، بإثارة هذه التهمة الملفقة في خطبهم المنبرية ، ودروس الوعظ ، والاحتجاج على صاحبها بالتنفيد والتنديد ، فعندئذ طلب جمال الدين أن يمكن من الدفاع عن نفسه ، ليثبت على رؤوس الملأ بطلان ما رمي به ، وذلك في مناظرة بينه وبين شيخ الاسلام ، وكان جمال الدين لا يلين في مثل هذه المواقف ورغم موقف أهل الحلّ والعقد الذين حضر جلّهم للمحاضرة ، بعد أن اطلّعوا عليها قبل القائها ، ونصحوه بالتغاضي ، وعدم الالتفات إلى كيد خصومه ، إلى أن يهدأ الرأي العام ، فامتنع وأصّر في إلحاحه على المناظرة . ولمالم يجب إلى مرغوبه ، غادر الآستانة مأسوفاً عليه من النخبة التي كانت تقدر مواهبه وعبقريته وشجاعته الأدبية النادرة المثال ، وكانت وجهته مصر .
رجوعه إلى مصر للمرة الثانية :
فارق جمال الدين الآستانة في وجهته إلى مصر في أول محرم 1288 ه / 1871 م . وكان قصده مجرد الاستجمام ، وفي مصر اجتمع برئيس الدولة مصطفى رياض باشا فاستماله على الإقامة ورغّبه فيها ، فأجرت عليه الحكومة المصرية مرتباً شهرياً ، قدره ألف قرش مصري مجاناً ، فلازم بيته التي صارت محطّ رحال طلبة العلم ، ونخبة المفكرين المصريين ، وكان يتردّد على الأزهر أيام الجمعة ، ولم يؤثر عنه أنّه انتصب يوماً ما في حلقة من حلقات الدروس ، جرياً على عادة كثير من العلماء الواردين على مصر ، بل كان يلقي دروسه في بيته ، وذلك كلّه محافظة على عدم المسّ من كرامة مسيريه ( الأزهر ) واتقاء جرح عواطف فقهاء البلاد المحافظين ، ومع كل هذه التحفّظات ثار عليه فقهاء البلاد الذين صبّوا عليه جام غضبهم ، واتهموه بما اتّهمه به شيخ الاسلام بالآستانة ، أي الزندقة والالحاد ، ولنترك الكلمة لتلميذه الذي عاش معه تلك الفترة ، وهو الأستاذ محمد