وبواجبات الحاكم ومسؤولياته تجاهه ، وتحدّث في صميم السياسة ، ورأى أنّ الحكم النيابي لا قيمة له ما دام الشعب غافلًا جاهلًا ، ولمّا أثرت النهضة الفكرية التي غرسها بيديه أخذ يلحّ في طلب الحكم النيابي ويدعو إليه ، وكان ذلك طبعاً هو الرافد العظيم للثورة العرابية الخالدة والموجّهة لاقطابها إلى العمل من أجل وطنهم ، وفي مقدمتهم بالطبع : عرابي ، ومحمد عبده ، والبارودي وسواهم .
وظفر محمدعبده بشهادة العالمية عام 1294 ه / 1877 م ، وأصبح مدرّساً بالأزهر ، واختير بعد قليل مدّرساً للتاريخ الاسلامي بدار العلوم ، وللعلوم العربية بمدرسة الألسن ، وفي الأزهر أخذ يدرّس المنطق والعقائد على نحو جديد ، ويدعو إلى تدريس الفلسفة ، والى فتح باب الاجتهاد ، والعودة إلى أمهات مصادر الثقافة الاسلامية ، وفي دار العلوم قرأ لتلاميذه « مقدمة ابن خلدون » ، وفي داره كان يتحدّث مع زائريه في السياسة والاجتماع وشؤون الفكر وأصول الدين . وهو في كل ذلك متأثّر بنزعات أستاذه جمال الدين ، الذي أثّر فيه تأثيراً بليغاً طول حياته ، وكان الأفغاني كثير الثناء عليه والتقدير له ، وكان يعبر عنه بالصديق ، ويعجب لأخلاق الامام وعزّة نفسه ، ويقول له : قل لي بالله أي أبناء الملوك أنت ؟ وكذلك كان محمد عبده ينعت جمال الدين بلسان الحقّ ومحيي الدين . . وفي زحام هذه الثورة الفكرية ظهر شعار « مصر للمصريّين » أي ليست للأتراك ولا للاوروبيين ولا للخديويين وأذنابهم ، ووقف الأفغاني في الإسكندرية قبل خلع إسماعيل يخطب جموع الشعب ، ويقول : أنت أيها الفلاح تشقّ قلب الأرض لتنبت فيها ما تسدّ به الرمق ويقوم بأود العيال ، فلماذا لا تشقّ قلب ظالمك ؟ لماذا لا تشقّ قلب الذين يأكلون ثمرة كفاحك وتعبك ؟
وطويت صحائف الأيام ، ومرّ عام وعام ، وعزل إسماعيل ، وخلفه توفيق في الخامس والعشرين من يونيوعام 1879 م . وكان توفيق من قبل يظهر الصداقة والمحبة للامامين ويعاهدهما على ايجاد حكم سياسي نظيف في مصر ، فيما لو آلت الأمور إليه ، وكان من أجل ذلك هوى جمال وحزبه معه ، ولم يتوان توفيق في أن يستدعي جمالالدين ويقول له : أنت أيها السيد أملي في مصر الآن ، فنصحه جمال الدين بتأييد الدستور ، وإقامة حكم
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 166
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٦٦