تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
أول المحرم عام 1287 ه . . ودخلا عليه فوجداه يتناول طعام العشاء ، ورحّب بهما ، ثم أخذ يحدّثهما في التصوف والتفسير والمفسرين وأشياء أخرى ، وكان بين الحين والحين يصوّب نظره نحومحمد عبده ، فيدرك ما كانت تنطوي عليه جوانحه من توثّب ، وما كانت تنم عليه نظراته من حيرة وثورة ، وشوق إلى المعرفة ، وإيمان بمستقبل الاسلام والمسلمين ، ولم ينته سمر الثلاثة وحوارهم ليلتئذ ، إلّا وقد اطمأن محمد عبده إلى جمال الدين ، ووثق به ، وصمم على ملازمته ، والإفادة من علمه وتفكيره ونزعته المتوثبة الحرة . وانتهت إقامة الأفغاني في القاهرة ، وعزم على السفر إلى الآستانة ، بعد أن كانت وجهته الحجاز لأداء فريضة الحج ، وودّعه تلميذه محمد عبده وداعا حاراً ، التفت الأفغاني إلى مودّعيه يقول لهم : انّي خلّفت في مصر خيراً كثيراً في علم الشيخ محمد عبده . وفي الآستانة عاصمة الخلافة العثمانية - تعرّف جمال الدين برجالات الدولة ومفكريها وعلمائها ، واختير عضواً في مجلس المعارف هناك ، ولكن الدسائس والوشايات حيكت له ، فعاد إلى القاهرة في أول المحرم من عام 1288 ه / 1871 م ، واستقبله تلميذه محمد عبده استقبالًا يليق ومكانته ، وأخذ يلازمه ليشيع رغبته في طلب العلم ، ومعرفة كنوز الفلسفة وحقائق الحياة ، وصار يدعو زملاءه وأصدقاءه إلى غشيان مجلس الأفغاني ، والإفادة من تفكيره الثوري وتوجيهه الاسلامي . واندمج جمال الدين في حياة مصرالاجتماعية والفكرية ، وتردّد على دار « إبراهيم المويلحي » في حارة الأمير حسين بشارع محمد علي ، وهي في ذلك الوقت ندوة المفكرين والعظماء والقادة ، فلمّا أجرى عليه رياض باشا مرتباً شهرياً قدره عشرة جنيهات مصرية ، استأجر منزلًا في حارة اليهود ، وصار من يومئذ بيت الأفغاني مدرسة جامعة ، يقصدها النابهون من طلاب الأزهر ، ويدرّس لهم فيها أمهات الكتب في العقائد والحكمة والمنطق والفلسفة والتصوف وأصول الفقه والفلك والتاريخ ، ولم يكن يقصد من دروسه التعليم فحسب ، بل كان يهدف من ورائها كذلك إلى الدعوة للاصلاح وفتح باب الاجتهاد في الدين والعلم ، وبثّ الاخلاق العالية في النفوس ، والتبصير بالشؤون السياسية