من الفناء ، وللوصول إلى هذه الغاية ، إنّما يجب عليه أن يأخذ بأسباب التقدم في الغرب ، وأن يكتنه أسرار تفوّقه وقدرته » .
بيد أنّ جمالالدين لم يكن يعني بذلك إحلال قومية الدين محلّ قومية القطر ، وإنّما كان يرغب في أن تتحد جميع الأقطار الإسلامية ، مع استقلال كلّ منها عن الآخر ، إلى هدف واحد ، هو التحرّر السياسي . من أجل النهوض بالوطن المصري أوالتركي أوالفارسي كان يعمل على نهضة الإسلام الذي يتغلغل في الحياة السياسية والاجتماعية للأقطار الإسلامية المختلفة .
وكان الأفغاني حرباً مشتعلة لا تهدأ على الاستعمار الأوروبي بشتيت صوره وألوانه ، وكان يعتبر الاستعمار البريطاني رأس الأفعى ، وخصم الإسلام الأكبر .
ويقول الدكتور قاسم « 1 » : « . . . ولقد أثارت كتاباته السياسية ضجة كبرى ، وكان لها دوي شديد في مصر ، ورجع صدى في إنجلترا ، إذ بيّن أساليب الإنجليز وحيلهم في استعمار الشرق ، وبه كيف يزعمون أنّهم يتدخلّون لحماية العروش الهاوية ، مع أنّهم يضمرون الفتك بالشعوب التي يتظاهرون في الوقت نفسه بالعطف عليها ، ومحاولة إصلاح أمرها ، ودفع الضلم عنها ، ورفع مستوي الحياة بين أفرادها ؟ » .
وكان جمال الدين سابقاً لعصره بتفكيره الشعبي ، وعقيدته الدستورية ، ومن هنا كان إيمانه بالشعوب ، وجهاده في سبيل الحريات الشعبية . فقد نادى بقلمه ولسانه بأن كل إصلاح إلى زوال ما لم ينبعث من أعماق الجماهير ، وكان يقول : ولن تنبعث شرارة الإصلاح في وسط هذا الظلام الحالك إلّا إذا تعلّم الشعب وعرف حقوقه ، ودافع عنها ، ومتى عرف الشعب هذه الحقوق وجد نفسه مضطراً إلى المطالبة بها ، والمحافظة عليها إذا نالها » .
ومن هنا كانت حروبه الطويلة المستمرة مع الخديوي وبطانته ووزرائه ، وكانت كراهية الملوك والأمراء والوزراء له .
هامش
( 1 ) جمال الدين الأفغاني ، للدكتور محمود قاسم ص 6 .