« . . . ويمرّ من الهند ومصر والآستانة ويستقر بالقاهرة سنة 1871 م ، ويقيم بها ثماني سنين ، ويكون هذا الدور من أكثر الأدوار خصباً في حياة جمالالدين الكثيرة الحركة ، ويجعل من منزله الخاص جامعة حرة يلقي يها دروساً عن مذاهب الإسلام الكلامية والفلسفية ، ويمزج بين أفكاره السياسية وتعليم العلوم الإسلامية الخالصة من كل روتين رسمي ، والمستقصاة بروح عصري ، ويبذل طاقته لدى المستمعين في إيقاظ الميل إلى النظم الحرة ، والعزم على إنقاذ بلدهم من سلطان القوى الإجنبية ، وما اتفق له من نفوذ في طبقات مصر المثقفة كان له بالغ الأثر في اشتعال الحركة الوطنية بمصر سنة 1882 م ونشوب ثورة عرابي باشا ، وضرب الإسكندرية بالقنابل » .
ثم يقول « 1 » : وكان جمالالدين عالماً فيلسوفاً كاتباً ، ذا اتصال ثقافي بالتيارات الفكرية العالمية ، فكان يبدو : دائماً صاحباً لعقلية عصرية ، متقبلًا لجميع مناحي الفكر في زمنه إلى أوسع ما يكون .
وهو لم يأل جهداً في إثباته بلسانه وقلمه أنّ الإسلام لم يكن قط جسماً بلا روح ، وإنّما يرى الإسلام ، إذا ما أزيل منه ما هوغريب عن مذهبه الحقيقي من الأوراق الخرافية ، بقي دائماً قوة حية فعّالة ملائمة لمقتضيات العصر ، ولجميع ما تنطوي عليه الحضارة الغربية من اختراعات فنية .
كان الأفغاني يثبت في الحقل الاجتماعي والسياسي أنّ مذهب الإسلام حرّ جوهراً ، ديمقراطي عنصراً ، فيمنح الأمة حقّ الاشتراك في إدارة الدولة ، ورقابة حكومتها .
وكان أول من أدرك ما تنطوي عليه سياسة التوسع الغربي من تهديد لاستقلال دول الإسلام ، فحاول تعبئة الجماهير روحياً ، وأكثر من مراجعة ملوك الإسلام وأمرائهم ، منذراً إياهم بما يهدّدهم ، ناصحاً باتخاذ ما يلزم من وسائل الدفاع ، وكان يشعر بالخطر شعوراً حاداً . . . ويقدر للوصول إلى أهدافه أن تقوم قبل كل شيء ، حكومات دستورية ،
هامش
( 1 ) . المصدر السابق ، ص 500 .