تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
جمال‌الدين مثل تأثيره في مصر ، فهومن أوائل العاملين على تطور الروح الوطني في هذه البلاد ، وقد نسب إليه بحقّ الدور التاريخي لأبي القومية . استطاع الرجل بخطبه الملتهبة أن ينفث في النفوس نزوعاً إلى الحرية ، ورغبة في العدالة ، خطب مرة في الإسكندرية قبل خلع الخديوي إسماعيل ، فقال : « أنت أيها الفلاح المسكين تشقّ قلب الأرض لتستنبت ما تسدّ به الرمق ، وتقوم بأود العيال ، فلماذا لا تشقّ قلب ظالمك ؟ لماذا لا تشقّ قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك ؟ » بهذه الجرأة كان جمال‌الدين يخطب ويتكلّم ، وكان لكلامه أثر عميق في إيقاظ الناس ، وتنبيه المحكومين إلى حقوقهم قبل الحاكمين ، فاتجه الناس إلى نقد أصحاب السلطان ، وأخذت تنضاءل عقيدة سيادة الحاكم وحقّه المطلق في التصرف في شؤون الرعية ، وليس هناك شكّ في أنّ للأفغاني يداً في الحركة العرابية . ومن المحقّق أنّ المبدأ الوطني الذي سيطر على تلك الحركة من غرسه ، كما قال شكيب أرسلان ، وإن كان هبّ على ذلك الزرع من سموم الجهل ، ونقصان التربية السياسية ، ولفحة الدسائس الأجنبية ما صوّح نضرته ، شأن تلك الدسائس على كل نهضة تحدث في الشرق ، أوحركة إصلاح تشفق من ورائها الدول أن تتمزق حجب الغباوة التي هي أصدق عوامل الاستعمار . على أنّ جمال‌الدين قد عرف بالدعوة إلى الجامعة الإسلامية التي ترمي إلى اتحاد جميع الشعوب التي تعيش في كنف الإسلام ، لكي يتيسّر لها التخلّص من سيطرة الأجنبي ، وقد كان يقول بهذا الصدد : إنّ الدول الغربية تنتحل الأعذار في هجومها وعدوانها على البلاد الإسلامية وإذلالها وإكراهها ، بقولها : إنّ الممالك الإسلامية هذه أنما هي من الانحطاط والهوان بحيث لا تستطيع أن تكون قوّامة على شؤون نفسها بنفسها ، في حين أنّ تلك الدول عينها لا تكفّ عن التذرّع بألوف الذرائع ، حتى بالحرب والحديد والنار ، للقضاء على كل حركة من حركات النهضة والإصلاح في البلاد الإسلامية ، ومن ثم يجب على العالم الإسلامي أن يتّحد في حلف دفاعي كبير ليستطيع بذلك أن يصون نفسه