ولقد حفظت لنا مقالات « العروة الوثقى » التي نقدّمها اليوم إلى القرّاء جهاد هذين الأمامين الثائرين ، جهادهما من الإنجليز ، ومع الخديوي ، بل جهادهما مع الاستعمار قاطبة ، الذين ابتلي بهم الشرق ، فكانوا أنكى ، وأشد قسوة بشعوبهم من الاستعمار نفسه . لقد كانوا أدوات الاستعمار وسوطه ولسانه ، بل مطيته التي امتطاها لإذلال الشعوب ، واستعباد الجماهير ، والفتك بالأحرار ، وإخفات أصوات المناضلين الثوار .
ولئن كنا نحن الذين عشنا في عهدي فؤاد وفاروق ، قد رأينا الأقلام وكيف تزلّفت إليها ، وكيف لانت وهانت وتبذّلت ! ورأينا الرؤوس وكيف انحنت وتطامنت حتى رؤوس الزعماء الكبار وأشباه الكبار ! ! حتى كدنا أن نؤمن ونحن داخل الأسوار ، يصبّ في مسمعنا بالليل والنهار ، والحمد والإكبار لأصحاب التاج وحاشية التاج ، كدنا أن نؤمن بأنّ الزلفى والخضوع لأولياء النعم ، فطرة فطرالله الناس عليها ؟ وأنّه ليس في طاقة مناضل ، أوكاتب ، أوزعيم ، أن ينال من العروش وأصحاب العروش ؟ ! فإنّ جمالالدين الأفغاني ، الذي طوّف بالشرق والغرب ، قد تحدّى ملوك الشرق كافة ، تحداهم في مصر ، وإيران وأفغانستان ، والهند ، حتى خليفة تركيا المهول بقداسته المخيف بقسوته . تحدّاهم بقلمه ولسانه ، تحدّاهم حتى الموت ، وعندما اغتال الثائر ميرزا رضا ، سلطان إيران المستبد المتغطرس صاح وهو يطعنه : خذها من يد جمالالدين . وكان الخليفة عبد الحميد في استامبول يقول : لا آمن على نفسي ، وهذا المخلوق الخطر يجاورني ! !
وكذلك كان محمد عبده عنيفاً مع طغاة الشرق عنفه مع مستعمري الشرق ، وما أحسب أنّ كاتباً استطاع أن يهاجم محمد علي . وأسرة محمد علي ، تحت ظل الجبروت الخديوي ، كما تحدّي محمد عبده وكتب . ولقد كتب مقاله هذا في سنة 1902 م لمناسبة الاحتفال بذكرى مرور مائة سنة على تأسيس محمد علي للدولة المصرية ليهدم الأسطورة الزائفة .
ماذا صنع محمّد علي ؟
. . . . لم يستطع أن يحيي ، ولكن استطاع أن يميت ، كان معظم قوة الجيش معه ، وكان صاحب حيلة بمقتضي الفطرة ، فأخذ يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب على