تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
العهد ، تشهد بذلك . يقولون : أنّه أنشأ المعامل والمصانع ، ولكن هل حبّب إلى المصريين العمل والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم ؟ وهل أوجد أساتذة يحفظون علوم الصنعة وينشرونها في البلاد ؟ أين هم ؟ ومن كانوا ؟ وأين آثارهم ؟ لا ، بل بغّض إلى المصريين العمل والصنعة بتسخيرهم في المعمل والمصنع ، لينصرفوا عنه ساخطين عليه ، لا عنين الساعة التي جاءت بهم إليه ! يقولون : إنّه أنشأ جيشاً كبيراً فتح به الممالك ودوّخ به الملوك ، وأنشأ أسطولًا ضخماً تثقل به ظهور البحار ، وتفتخر به مصر على سائر الأمصار ، فهل علّم المصريين حبّ التجنّد ، وأنشأ فيهم الرغبة في الفتح والغلب ، وحبّب إليهم الخدمة في الجندية ، وعلّمهم الافتخار بها ؟ لا ، بل علّمهم الهروب منها ، وعلّم آباء الشبان وأمهاتهم أن ينحوا عليهم معتقدين أنّهم يساقون إلى الموت . وكان من ينتظم في الجندية على عهد محرر مصر ! لا يخرج منها إلّا بالموت ! هل شعر مصري بعظمة أسطوله ، أوبقوة جيشه ؟ وهل خطر ببال أحد منهم أن يضيف ذلك إليه بأن يقول : هذا جيشي وأسطولي ، أوجيش بلدي أو أسطوله ؟ كلا ، لم يكن شيء من ذلك . فقد كان المصري بعد ذلك الجيش وتلك القوة عوناً لظالمه ، فهي قوة خصمه . فما أثر ذلك في حياة مصر والمصريين إلّا أسوأ الأثر : أثر كلّه شر في شر ، لذلك لم تلبث تلك القوة أن تهدّمت واندثرت . ظهر الأثر العظيم عندما جاء الإنجليز لإخماد ثورة عرابي ، دخل الإنجليز مصر بأسهل ممّا يدخل به ذامر على قوم ، ثم استقروا ، ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها ، وهوضد ما رأيناه عند دخول الفرنسيين مصر : وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى ، والموت الأخير . لا يستحي بعض الأحداث من أن يقول : إنّ محمد علي جعل جدران سلطانه بنية من الدين ، أي دين كان دعامة للسلطان محمد علي ! دين التحصيل ، دين الكرباج ! دين من لادين له إلّا ما يهواه ويريده ! وإلّا فليقل لنا أحد من الناس : أيّ عمل من أعماله