كفاح الأحرار
ولقد تعمدنا أن نطيل الحديث عن الروح الاستعماري الأوروبي ، ومناهجه وأهدافه ، ونظرته المتعالية المتكبرة إلى الشعوب الملونة ، ونظرته المسمومة الحقود إلى العرب والإسلام ، لأنّ محور هذا الكتاب « العروة الوثقى » إنّما يدور حول نضال العرب والإسلام التاريخي لهذا الروح الإستعمارية الباغية المتسيطرة .
ولقد ابتلي العرب ، وابتلي المسلمون بهذه الروح بلاءً تاريخياً ، فبلادهم هي مفاتيح الشرق بأسره ، هي البرزخ الذي تعبر منه أوروبا إلى أعماق القارتين الملونتين ، القارتان اللتان يسيل لعاب الاستعمار حول كنوزهما وموادهما .
وأرضهم هي قلب الدنيا ، وأغناها بالموارد التي تبعث الحياة في الحضارة القائمة ، وتدير عجلاتها ، وتكون طاقاتها .
وكما يقول صاحب « مجالي الإسلام » : إن جميع الطرق البحرية والجوية الكبرى التي تتجه من الغرب إلى الشرق ، وجميع الطرق البرية التي تقود من الشمال إلى الجنوب ، تمر من بلاد الإسلام .
ولهذا كان الثقل الأوروبي الاستعماري على تلك المنطقة أعظم ثقل استعماري في التاريخ ، ومن ثم شهدت تلك المنطقة أروع ضروب النضال والجهاد في سبيل الحرية والحياة . وأصبح مستقبل الإنسانية بأسره ، وقفاً على نتيجة الصراع الداخلي والخارجي الذي تدور رحاه في أرض العروبة والإسلام من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي .
وبهذا النضال المشبوب منذ أكثر من قرن حملنا أمانة عالمية يتوقّف عليها غد الإنسانية ، بل يتوقف عليها رسالة النوع البشري كافة . فصراعنا الملتهب مع الاستعمار ، هوصراع في سبيل المثل الإنسانية الرفيعة كافة ، في سبيل الفضائل والأخلاق التي بعث بها الأنبياء ، ودعا إليها الأحرار ، وقامت عظمة بني الإنسان على إحساسه بها ، وتناديه إليها ، وجهاده في سبيلها .