إلى سُبُل الرشاد ، فهذا كله يؤدي إلى عرفانها نفسها ، وردّ الثقة إليها في قدرتها وإمكانياتها ، وإحياء آمالها ، وتجديد إيمانها بمستقبلها ومثلها . وهذه هي الأهداف التي عمل لها جمالالدين ، ووقف عليها وقته وجهوده وضحى بكل شيء ، حتى حياته في سبيل تحقيقها .
نظر جمالالدين فوجد أنّ سبب البلاء وأصل العلّة أمران : الاستعمار الأوروبي ، والاستبداد السياسي . وكان يرى أنّ وسائل إنجلترا في محاربة الشعوب الإسلامية هي أخطر الوسائل . ولذا عدّها العدو الأول . ومن أكبر ما يمهد للاستعمار ويزيد من قوته ، ويوجد عوامل بقائه : شعور الإعجاب به ، والوصول إلى الاعتقاد الخاطىء بأنّ تفوق أهله يرجع إلى مزية طبيعية فيهم ، مع اقتصار النظر على المحاسن الظاهرة دون معرفة ما تنطوي عليه من مساوئ وشرور باطنة ، والغفلة في نفس الوقت عما كان عليه الحال في العصور السالفة . أمّا استبداد الملوك والولاة بشعوبهم فهو آفة الآفات التي نتج عنها الخطر الأول ، فلولا حرمان الشعوب من استعمال حقوقها وإبعادها عن الاشتراك في السياسة ، ولولا استمرار استغلالها وتسخيرها ، الرضا ببقائها في الجهل ، وسوقها سوق العبيد ، وقسرها على أن تحيا حياة تفضي إلى سقم الجسم والروح . لولا ذلك كله - وهونتيجة سياسة الحكام والأمراء المتأثرين بالسلطة وكل الخيرات - لما أمكن للشعوب في بلاد الإسلام أن تصبح فريسة للطامعين والمعتدين من أهل أوروبا .
وكان السيد ينظر إلى ما آل إليه حال العالم الإسلامي وما كان عليه حاله من قبل من عزة ومنعة ، وما ساهم به في بناء الحضارة وتقدم الإنسانية بمجهوداته في ميادين العلم والعمران ، فتثور نفسه ويهيج خاطره ، ويدعوالعقول إلى أن تتيقظ والمشاعر أن تتحرك ، ويهيب بالأيدي أن تعمل ، والجماعات أن تتحرر .
وقد وجد جمالالدين أنّ طرح الإصلاح هي : رفع المستوى الفكري والروحي لهذه الشعوب ، بنشر الثقافة الإسلامية الأصيلة ، واغترافها من منابعها الأولى . فكان يدعو إلى إحياء العلوم الإسلامية والتجديد فيها ، وكان درسه بمصر وفي غيرها من البلاد نموذجاً عملياً لما يمكن أن يسار عليه في فهمها ، وعرضها في ثوب قشيب يتفق مع روح العصر .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 129
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٢٩