تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
وقد حمل عنه هذه الطريفة الشيخ محمد عبده وغيره ، فكان لأعمالهم وتوجيهاتهم العلمية أنفع الأثر . وكانت القاعدة التي تقوم عليها الطريقة الاجتهاد وتحكيم العقل لا التقليد . أمّا الطريق الآخر للاصلاح فهوتحرير الشعوب من الاستبداد . ورفع نير الظلم عنها ، إلى أن تصل إلى التمتع بحقوقها السياسية ، وتصير لها الإدارة العليا في تصريف شؤونها وتقرير مصائرها . وفي سبيل ذلك كان يعمل السيد دائماً إلى إثارة الشعور وتنبيه الأقوام إلى حقوقهم ، بالأحاديث والخطب ، ونصح رجال الصحف بأن يكتبوا المقالات ويحاولوا الإجادة فيها على أحسن ما تقتضيه الأساليب والقواعد العربية ؛ فأدى هذا أيضاً إلى البدء في إيجاد نهضة لغوية . وكان السيد يدعو إلى جانب ذلك إلى اتحاد الشعوب الإسلامية ، وجاهد من أجل جامعة تلمّ شملها لكي تصبح جبهة قوية أمام أعدائها . ولم يحتج جمال‌الدين في اهتدائه إلى طرق الإصلاح هذه - أي فيما يتعلّق بالنواحي السياسية - إلى أن ينقلها عن زعماء أوروبا ، ولا عن رجال « الثورة الفرنسية » ولاغيرهم ؛ ولكنّه اقتبسها من الإسلام نفسه ومن ثقافته وروحه ، فالإسلام يشتمل - فيما يشتمل - على أسمى المبادئ التي تتكون منها الديمقراطية ، وضمن في شرائعه - فيما ضمن - الحقوق السياسية للانسان ، ودعا إلى الحياة الاجتماعية الرفيعة الفاضلة . وذلك كله قبل أن تصل أوروبا إلى معرفة هذه المبادئ بعشرات القرون ، ولم يكن مصدر إلهامه غير القرآن والسنّة وأعمال السلف . ولكن جهل الأمم الإسلامية بمبادئ دينها وحقائقه - أو على الأقل عجزها عن تنفيذ هذه المبادئ - هو الذي أدى بها إلى أن تصبح ذليلة ، وتترك مصالحها ومصائرها في أيدي حكام غشمة متجبرين لاضمير لهم ، يعبثون بها كما تشاء أهواؤهم ويضيعونها . لبث السيد جمال‌الدين يدعو طوال حياته إلى تلك المبادئ . وقد طوف بأقطار كثيرة في الشرق والغرب ؛ فصار شخصية عالمية . فكان قد ذهب إلى الحجاز في مطلع حياته لأداء فريضة الحج ، وحين غادر بلاده توجّه أولًا إلى الهند ، ثم إلى مصر فترة قصيرة ، ثم ذهب إلى الآستانة فأوقع به هناك الرجعيون ، فعاد إلى مصر ولبث بها هذه المرة ثماني سنوات ( 1871 - 79 ) ؛ وبعد أن أخرج منها رجع إلى الهند ، ثم زار بعد ذلك أوروبا ، فزار
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 130 | السيد هادي الخسروشاهي