بذلك جمالالدين - وهولايزال شاباً يافعاً - خبرة عملية ، وأتيحت له الفرصة ليطلع على حقيقة نوايا الاستعمار الأوروبي وخباياه ، وتآمره على إضعاف قوى البلاد الإسلامية تمهيداً لتدميرها ، مما كان له أبلغ الأثر في تكوين آرائه وتحديد اتجاهاته ، وإثارة وجدانه . ثم انتهت الحوادث بأن تغلّب أحد أبناء الأمير ، وهو « شيرعلي » الذي كان مؤيداً من الانكليز وممداً بأموالهم ، على أخيه الأمير « محمد أعظم » ، فزالت دولته ، وحينئذ اضطر جمالالدين إلى مغادرة بلاده - ربما على كره منه ، ولم يكن مقدّراً له أن يعود إليها مرة أخرى - ولكن هذه الهجرة كانت خيراً وبركة على العالم الإسلامي كلّه ، كما سيأتي لنا بيانه .
كان هذا العصر الذي عاش فيه جمالالدين عصر ازدهار الاستعمار - أو دعنا نسمّيه كما سمّاه أحد علماء الإسلام المعاصرين : غارة أوروبا على العالم الإسلامي - وبلوغه أوج قوته : فكانت إنجلترا قد أتمت استعمارها للهند ، وبعد الثورة الكبرى عام 1858 أعلنت إنجلترا ضمها إلى أملاكها ، وأخذت تديرها إدارة مباشرة ؛ وبذلك أصبح تحت حكمها ولايات تسكنها أغلبية من المسلمين . وكانت الأفغان مسرحاً للدسائس التي ألمحنا إليها ، وكذلك إيران التي كانت روسيا وانجلترا تتصارعان - طول القرن الماضي - على التدخّل في شؤونها ووضع اليد على مواردها . وأمّا مصر فقد كان التنافس فيها قائماً بين إنجلترا وفرنسا ؛ وقد كان التغلّب للأخيرة أولًا بما فازت به من الحصول على امتيازات فتح قناة السويس ؛ وتوجّهت مجهوداتها بالنجاح عند الاحتفال بافتتاح هذه القناة في عام 1869 ، ثم بعد هزيمة فرنسا أمام ألمانيا في حرب السبعين خلا الجو لانجلترا ، فأسرعت إلى شراء أسهم القناة ، ثم إلى التدخّل تمهيداً لاحتلال البلاد . وكان والي مصر ( إسماعيل ) يسوق البلاد سوقاً إلى الخراب ، ويدفعها إلى الهاوية دفعاً ؛ فقد باع مواردها ثمناً للربا وأغرقها بالديون ، وأسلم رقبتها إلى المرابين ليذبحوها ويسلخوها كما يشاؤون . هذا بينما كانت الدولة العثمانية قد خضعت خضوعاً تاماً للدول المستعمرة . وبعد عقد معاهدة باريس 1856 التي انتهت بها حرب القرم أصبحت كأنها تحت حماية إنجلترا ، وصار سفير إنجلترا في الأستانة كأنه الحاكم الفعلي للدولة العلية ، وما يتبعها من ولايات .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 127
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٢٧