في حياته تلك ، ونعني بصفة خاصة بأمرين : الطبيعة السياسية العامة للعصر الذي عاش فيه ، والمبادئ التي تكونت منها دعوته ؛ وفي ضوء هذا كلّه يتسنى لنا أن نحدّد مكانته في التاريخ الإسلامي الحديث .
ولد السيد جمالالدين - كما اتفقت على ذلك روايات من ترجموا له - في عام 1254 ه . / 1839 م بقرية أسعدآباد ، من بيت علم وفضل ، وعنى والده بتربيته وتثقيفه ، فتلقّى كل علوم الثقافة الإسلامية : من فقه ، وتصوف ، وحكمة ، وكلام ، وآداب ، ودرس اللغة العربية ايضاً ، ثم درس بالهند أيضاً الرياضيات وجانباً من العلوم الحديثة . ولم يكن المهم أنّه درس تلك العلوم ، فكم من الناس درسوها غيره ؛ ولكن الله سبحانه وهبه مواهب خاصة ، فكان جمالالدين في الحقيقة « عبقرية » من العبقريات النادرة التي لا تظهر إلّا قليلًا في التاريخ . ومن أهم ما ساعد على أنضاج هذه العبقرية ، وإبلاغها حدّ الإثمار تربيته الصوفية . وإلى هذه التربية يرجع كثير من الأسرار التي تميزت بها حياة جمالالدين ، وقوة تأثيره ونجاح مجهوداته ، وعظم نفع الأعمال التي قام بها . بل إنّ هذه الصوفية الصادقة المخلصة السامية هي المفتاح الأول لشخصيته - بالرغم من غلبة الناحية السياسية أوالعلمية عليه - وقد غفل أكثر المؤرّخين عن الاهتداء إلى هذا السرّ أو التنويه به .
واشتغل جمالالدين بالسياسة منذ كان شاباً في العقد الثالث من العمر ، واضطلع بمهام كبيرة في الدولة . فبعد تقلّده بعض الوظائف في الحكومة اتصل بالأمير محمد أعظم بن أميرالأفغان الكبير « دوست محمدخان » وكانت سياسة الأفغان في أواسط القرن الماضي سياسة نشيطة ، كثيرة التقلّبات حافلة بالأحداث ، نتيجة نشاط السياسات الاستعمارية وما يصحبها من الدسائس ، التي كانت تدبرها الدولتان المتنافستان : إنجلترا التي كانت تملك إمبراطورية الهند شرقي أفغانستان ، وروسيا القيصرية التي كانت تواصل الزحف والاستيلاء على الأقطار الإسلامية في أواسط آسيا . وقد نجحت الدسائس في أن فرَّقت بين أولاد الأمير محمدخان ، فعقب وفاته انقسموا وانقسمت البلاد معهم شيعاً وأحزاباً ، ووقعت بينهم الحروب . ورأى جمالالدين أن يؤيد « محمداعظم » ، ووثق هذا به فجعله وزيراً له أووزيره الأول ، واعتمد على نصائحه واشتركا معاً في تدبير الأمور . واكتسب
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 126
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٢٦