ولم تكن الكارثة الكبرى هي مجرد استغلال هذه الدول الأوروبية لموارد البلاد الإسلامية ، أو تمكّنهم من بسط نفوذهم السياسي أو الثقافي ؛ بل كانت الكارثة العظمى هي أنّ روحاً من الإعجاب بهؤلاء المستعمرين قد أخذت تسري بين الشعوب الإسلامية ، وأخذ جو من الشك يعم أنحاء الشرق ، وظهرت دعوة قوية إلى اتباع الغربيين وتقليدهم في أساليب حياتهم ، دون نظر إلى ما كان منها صالحاً أوفاسداً ، وكان هذا كلّه مؤدياً أوسيؤدي لا محالة إلى ضعف إيمان الشرق بنفسه ، أوزعزعة ثقته في مبادئه وثقافته . ولمّا كان الناس على دين ملوكهم ، فقد كان هناك عاهلان في الشرق على رأس هذه الدعوة ، بل كانا يبذلان كل جهد في سبيل إقناع الناس بها ، ويضحيان بالأموال ليروّجا لها : وهما السلطان عبد العزيز خليفة آل عثمان في تركيا ، والخديو إسماعيل حفيد محمد علي في مصر . فقد كان كلّ منهما مفتوناً بأوروبا مغرماً بما شاهده من المظاهر المادية ، مدفوعاً إلى تقليد الغربيين في فنون عبثهم ولهوهم ، حتى جهر الأخير - وهو يشعر بالزهو والافتخار - أنّ « مصر قطعة من أوروبا » ؛ وكان هذا المبدأ الذي عمل به كما عمل شبيه العثماني ، وإن كانت أوروبا لا ترضى إلّا بأن يكون ذيلا لها - إن قبلت - لاقطعة منها .
في هذا الجو وفي هذا العصر نشأ جمالالدين ، وقد طوَّف بأرجاء البلاد في الشرق والغرب ، وشاهد ودرس ، واطلع بنفسه على حقائق الأمور ، وأحسّ بهذه الاتجاهات وعرف هذه الدعوات ؛ وأدرك إذن مدى الخطر الذي كان يتهدد العالم الإسلامي ، وسير عمق الهوة التي كان يدفعه إليها قادته المفتونون وزعماؤه الجهلة ليتردى فيها ، فتتحطم قواه المعنوية تحطيماً لا يرجى لها إصلاح بعده .
كان هذا هومفترق الطرق في حياة العالم الاسلامي ، والإزمة الدقيقة الخطيرة الأثر في تاريخه . وقد شاءت العناية الإلهية أن يوجد جمالالدين في ذلك الوقت ليؤدي رسالة اختارها له القدر ، من أنبل الرسالات التي قام بها المصلحون وقادة الشعوب في المراحل الحرجة من تاريخ حياة أممهم ، عميقة المغزى خالدة النتائج ، وهذه الرسالة تتلخّص في إيقاف الشعوب من الهوي التي يراد لها أن تتردى فيها ، ومقاومة التيارات والتأثيرات الضارة التي من شأنها أن تؤدي بها إلى التهلكة ، ورفع الغشاوة عن أبصارها وهدايتها
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 128
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٢٨