من الحكمة بالنظر دون العمل ، كما هو شأن كثير من العلماء الحفّاظين الذين قلوبهم في وادٍ وألسنتهم في واد ، فكان يفطم نفسه عن الشهوات ، ولا يرى من اللذات إلّا اللذة العقلية العالية .
وقد حاول السلطان عبد الحميد أن يعلق قلبه بالمال والبنين ، وشغله بزينة الدنيا ، وراوده على الزواج ، فأبى وأعرض ، وقال له : قضيت حياتي مثل الطير على الغصن ، فلا أريد في آخر أيامي أن أتعلّق بعائلة . وكنت سامراً مرة عنده وعنّ هذا الموضوع ، فقال له أحد الدمشقيين : يا مولاي ! لماذا لا تتأهّلون ويكون لكم الذرّية الصالحة ؟ فلم يعجبه قوله ، ولمّا انصرف الرجل أقبل علي السيد وقال : « لم تدخل روح الفلسفة في هذه الأمة » . وليس مراده بذلك التزهيد في الزواج ، وإنّما تقرير حقيقة وهي أنّ الفلسفة لاتبال بالنسل والذريّة ، وأنّ الفلاسفة قلوبهم في شغل شاغل عن ذلك ، وكان ينظر إلى المال نظره إلى التراب فلا يدخره ، ولا يعرف معنى تثميره ، ولا يتناول منه إلّا ما هو ضروري للحياة . ولمّا كان في الآستانة ، كان عنده قهرمان هو الذي بيده الحساب والقبض والصرف ، أمّا هو فلا يدري من ذلك شيئاً ، وحاول السلطان أن يعطيه رتبة علمية كرتبة قاضي عسكر مثلًا ، فأبى أن يقبل الرتبة ، وأن يلبس كسوتها المزركشة بالقصب ، وكذلك رفض قبول الوسام مهما كان عالياً ، فسألته عن ذلك ، فقال : أكون كالبغل يحمل على صدره الجلاجل ؟ وبالجملة فلم يكن يؤخذ ، لارغبة ولا رهبة ، أمّا الرغبة فقد كان راغبا عن الدنيا بحذافيرها ، عيوفاً عن زينتها ، معرضاً عن زخرفها ، كما مرّ بك . وأمّا الرهبة فلم يكن يعرف الخوف إلى قلبه سبيلًا ، وفيما سردنا لك من قصصه ما فيه مقنع . وعرض حديث أجريت فيه ذكر الشيخ محمد عبده فقلت : أنّه من الأفراد بمصر ، فأجابني : « لا يوجد مثله بمصر » . وكان هذا قبل أن صار الأستاذ في منصب افتاء الديار المصرية ، ونال تلك الشهرة العظمى .
تحرينا في ترجمة حال هذا الحكيم الكبير ، هذه الدقائق لأنه مما لا مشاحة فيه ، إنّه هوالموقظ الأعظم للشرق ، وإنّ طريقته ستزداد انتشاراً ، ومبادئه ستطبق في يوم من الأيام الشرق بأجمعه ، فيسأل الخلف عن أحوال حياته ، ويستقصون عن خواطره ، ويجدّون في جمع آثاره ، كما نرى الاوربيين اليوم يحرصون جد الحرص على اكتشاف أقل شيء يعزى إلى عظيم من عظمائهم ، سواء من خبر أو أثر . ومن غريب ضرائب البشر
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 103
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٠٣