أنّهم لا يحرصون على آثار عظمائهم في حياتهم معشار مايحرصون عليها بعد ذهابهم ، وكنت أسأل مرةً مارسل كاشين ، وجان لونفيه ، وجماعة من رؤساء الاشتراكيين الفرنسيس ، عن « جوريس » نابغة السوسياليست في هذا العصر ، فبعد أن حدّثوني عنه ساعة قالوا لي : « لم نكن نقدّره قدره في حياته كما نقدّره قدره اليوم » وأظنّ الحال كذلك مع رينان ، ومع فيكتور هوغو ، ومع سبنسر ، ومع بسمارك وجميع الأعاظم . فإنّ أقدارهم تزداد بالوفاة ، والولع بآثارهم يتضاعف مع تقادم العهد .
وهكذا شأننا مع جمالالدين ومحمد عبده ، وغيرهما من كبار المصلحين ، كلّما تقادم عليهم العهد ، حرص الناس من أثارهم على اللفظة الشاردة ، والكلمة الفاردة ، ليكتبوها عنهم بماء الذهب .
ولجمالالدين تاريخ للأفغان ، ومقالات متفرقة كان عندي منها مجموعة ، سطا عليها لص علم ، وآخر ما نشر له ، رسالة الدهريين التي سبق ذكرها . وبالجملة فلم يكن يحفل بوفرةالتصانيف ، وانما كان مؤلف أمم ومصنف ممالك .
* * * وممن ترجم السيد جمالالدين ، العلامة غولد سيهر المستشرق المجري المشهور ، شيخ المستشرقين في العلوم الشرعية ، وصاحب التصانيف العديدة . فقد رأينا له في دائرة المعارف الاسلامية ، المحررة باللغة الفرنسوية ترجمة خاصة بالمرحوم السيد جمالالدين ، جاء فيها ما ترجمته :
« السيد محمد بن صفتر ، من أعاظم رجال الاسلام في القرن التاسع عشر ، كان بحسب رأي براون فيلسوفاً ، كاتباً ، خطيباً ، صحفياً ، وقبل كل شيء كان رجلًا سياسياً يرى فيه مريدوه وطنياً كبيراً ، وأعداؤه مهيجاً خطيراً . وقد كان له تأثير عظيم في حركات الحرية ، والمنازع الشوروية ، التي جدت في العشرات الأخيرة من هذه السنين ، في الحكومات الاسلامية ، وكانت حركته ترمي إلى تحرير هذه الممالك من السيطرة الأوروبية ، وإنقاذها من الاستغلال الأجنبي ، والى ترقية شؤونها الداخلية بتأسيس إدارات حرة .
لذلك كان يفكّر في جمع هذه الحكومات بأجمعها ، ومن جملتها إيران الشيعية ، حول الخلافة الاسلامية . لتتمكن بذلك الاتحاد من منع التدخل الأوروبي في أمورها . فجمال
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 104
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٠٤