لا يزال حياً ، وإقامته بجنيف من سويسرة ، فوجد أنّ العملية لم تجر على وجهها ، ولم تعقبها التطهيرات اللازمة ، وأنّ المريض قد أشفي بسبب ذلك ، وعاد إلى أستر وروغ ، وأنبأه بهذا الأمر المحزن ، ومامضت أيام حتى فارق جمالالدين الحياة .
وقال لي واحد ممن كانوا في خدمة عبد الحميد وقد رويت له هذه القصة : أنّ قمبور زاده إسكندر باشا كان أطهر وأشرف من أن يرتكب مثل تلك الدناءة ، ولكن كان رجل عراقي اسمه جارح طبيب أسنان يتردّد كثيراً على جمالالدين ويعاين له أسنانه ، وكانت نظارة الضابطة قد استمالت جارح هذا بالدراهم وجعلته جاسوساً على المترجم ، فصار له عدواً في ثياب صديق . قال لي صاحب هذه الرواية : فأردت مرة أن أمنع جارحاً من الاختلاط بجمالالدين فأشار إليَّ ناظر الضابطة إشارةً خفيةً بأن أتركه ، وفهمت من الإشارة أنّه يذهب إلى هناك ويطبب أسنان السيد بعلم من النظارة ، والسيد لا يعلم بشيء من ذلك ، ويستخلص جارحاً ويثق به ، قال : فلا أعلم ماذا فعل جارح بواسطة طبّه وثقة جمالالدين به ؟ قصارى ما أعلم أنّه لم تمض عدة أشهر على حادثة الشاه ، حتى ظهر السرطان في فكّ السيد من الداخل ، وأجريت له عملية جراحية فلم تنجح ، وجارح هذا ملازم للمريض ، وبعد موته كنّا نراه دائماً حزيناً ، كئيباً ، كاسف البال ، واجم الوجه ، خزيان ، مما جعلنا نشتبه أن يكون ذا يد في إفساد الجرح بعد العملية ، أو في توليد المرض نفسه من قبله بوسيلة من الوسائل ، فلمّا مات السيد أخذ يعذبه وجدانه على خيانته هذا الرجل العظيم ، الذي كان وثق به ، قال : ولا أجزم بكونه هكذا فعل ، ولكنني أجزم بأنّه كان جاسوساً على السيد ، والله من وراء العلم .
وكانت وفاته رحمهالله في 9 آذار سنة 1897 وصلّي عليه في جامع التشويقية في نشان طاش ، ودفن في مقبرة على مقربة منه . ولي في جريدة الأهرام يومئذ مقالة بين يدي فقده ، ليست في يدي الآن لمراجعة تاريخها .
وكنت لمّا عدت من أوروبا إلى الآستانة سنة 1892 ، ذهبت اليه في نهار وصولي ، فاستقبلني براً وترحبياً ولزمته تلك المدة إلى أن اضطررت إلى السفر إلى وطني سورية ، ففارقته آسفاً وأنا أمنّي نفسي بالعودة إلى الآستانة ، لمشاهدته والاستفادة منه . وسألني مرة عما شاهدته في أوروبا ، وأيّ نتيجة استخلصتها من حال أولئك القوم ، لانّه كان
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 100
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٠٠