تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
القصر هذه الزهرة البديعة وتلك الريحانة العجيبة . فأمّا وهو قصر متداع إلى السقوط ، والجصّ نازل إلى الأرض ، والسقوف قد هوت من كل جانب ، وهو لا يقدر على ترميمها ، فهل يخطر بباله أن يأتي لاكمال زينة قصره بهذه الآنية ، وتلك الزهرة ، وهاتيك الديباجة ؟ كلا ، لعمري أن من أعوزته الضروريات ، لا حاجة به إلى الكماليات » . قال لي : « وأنا لا أقول لك : لماذا حقّقت عن قضية جد العرب لاكتشاف أميركا ، ولكنني أقول لك : إنّ الشرقيين قد أصبحوا بهذه المثابة ، وهي كلما أرادوا الاعتذار عمّا هم فيه من الخمول الحاضر ، قالوا : أفلا ترون كيف كان آباؤنا ؟ نعم ، قد كان آباؤكم رجالًا ، ولكنكم أنتم أولاء كما أنتم . فلايليق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلّا أن تفعلوا فعلهم » . وكأنّه ينظر بهذا إلى قول القائل : نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا وكان من شدة ما يجد من الألم لحال الاسلام ، تخطر له خواطر نادرة في هذا الموضوع ، فقال لي احدى المرار : « قد فسدت أخلاق المسلمين إلى حدٍّ أن لا أمل بأن يصلحوا ، إلّا بأن ينشأوا خلقاً جديداً ، وجيلًا مستأنفاً ، فحبّذا لو لم يبق منهم ، إلّا كل من دون الثانية عشرة من العمر ، فعند ذلك يتلقون تربيةً جديدةً تسير بهم في طريق السلامة » . وقال لي نوبة أخرى : « لم يبق في الاسلام أخلاق ، فهذا محمود سامي ( البارودي الشاعر الكبير ، رئيس النظار أثناء حرب عرابي ) عاهدني ثم نكث معي ، وهو أفضل من عرفت من المسلمين » . وقال لي أيضا : « إنّ المسلمين قد سقطت هممهم ، ونامت عزائمهم ، وماتت خواطرهم ، وقام شيء واحد فيهم وهوشهواتهم » . وكان يندّد هذا التنديد كلّه ، لما كان فيه من الوجد لاسترداد الاسلام مجده القديم ، ولما كان يراه من غفلة المسلمين عن الأخذ بأسباب الرقي ، ومن السبات العميق الذي أمعنوا فيه ، على حين صاح صائح الجد بسائر الأمم هيا على الفلاح . ومن قرأ مجموعة العروة الوثقى التي كانت ترجمان أفكاره ، بقلم تلميذه الشيخ محمد عبده رأى أنّه أنبأ منذ أربعين سنة بما سيؤول اليه حال الاسلام ، وما ستكون معه سياسة الدول المستعمرة ، مما تحقّق كلّه فيما بعد ، حتى كأنّه كان ينظر إلى الحوادث المستقبلة في مرآة . وكان في أطوار حياته ، فيلسوفاً كاملًا ، عالماً عاملًا ، فلايقول ما لا يفعل ، ولايكتفي
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 102 | السيد هادي الخسروشاهي