تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
فيلسوفاً تاما لا يرى الجزئيات إلّا من خلال الكليات ، فلمّا أردت أن أبدي له مايعن لي في هذا الباب ، وكنت يومئذ في أول شبابي لم أجاوز الثانية والعشرين من العمر ، غلبتني مهابة حكمته ، وخشيت أن لا أصيب المخز ، فتحوّطت لكلامي بشيء من إنكار النفس واستكبار أن يكون مثلي ممن يجوز أن يتكلّم بحضرة مثله ؛ فما رأيته الّا نهض وأمسك بيدي وهتف قائلا : « أنا أهنّئ أرض الاسلام التي أنبتتك » . فسمع الناس هذه الجملة وما زالوا يتناقلونها ، وما أخاله قصد بها الّا الجذب بضبعي إلى الامام ، وجبر ما نقص من قوتي المعنوية . وحكيت له مرة أنّ إحدى جرائد أميركا بحثت في موضوع اكتشاف تلك القارة ، فقالت : يروى أنّ العرب خاضوا الاوقيانوس الاطلانتيكي ناشدين البر الذي وراءه ، وسألت هل عند مؤلّفي العرب شيء من هذا الخبر ؟ فعرّبت ذلك جريدة النشرة الأسبوعية في بيروت ، وألقت السؤال نفسه على علماء العرب وكنت في باريز ، فلمّا اطلّعت على القضية لبيّت ذلك النداء ، وراجعت في المكتبة الوطنية ، كتب الشريف الإدريسي الجغرافي العربي الشهير ، ونقلت من كتابه نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق ، خبر الاخوة المغورين ، الذين ركبوا سفينة من أشبونة ، وجعلوا فيها كل ما يلزمهم من الزاد والماء ، وخاضوا بها بحر الظلمات إلى الغرب حتى وصلوا بعد مسيرة شهر إلى جزيرة خالية لم يجدوا بها إلّا الوحوش ، فركبوا البحر متجهين إلى الجنوب ، وبعد نحو شهر أيضاً نزلوا بجزيرة فيها أناسي وملك يحكم عليهم ، فقفلوا من عنده متجهين شرقاً ، حتى نفذوا بعد مدة إلى مرسى أسفى بالمغرب الأقصى . فلمّا أكملت له الرواية وأنني حرّرتها جواباً على النشرة الأسبوعية ، وقد أثرتها عنها جميع الجرائد العربية ، التفت إليَّ قائلًا : « لا أريد أن أسرّ المسلمين بكلمة ، هؤلاء قوم كلما قال لهم الانسان : كونوا بني آدم ، أجابوه : إنّ آباءنا قد كانوا كذا وكذا . وعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم ، غير مفكّرين بأنّ ما كان عليه آباؤهم من الرفعة ، لا ينفي ما هم عليه اليوم من الخمول والضعة . قال : إنّ الإنسان إذا بنى قصراً مستوفياً جميع شروط البهاء والنيقة ، ولم يفته فيه شيء من الرفاهة والفراهة ، فهو يفكّر حينئذ بأن يأتي إلى قصره بالرياش الفلاني النادر من القطر الفلاني ، ويكمل زينة قصره بالآنية الفلانية التي لا يملكها إلّا القليلون ، وأن يجعل في حديقة