بتلك البرك غابات ملتفة بديعة ، فغاية ما يقال : إنّ جمالالدين عبّر عن نزاهة ذلك المكان بعبارة شعرية ، فاستخرج منها أبو الهدى إلحاداً وكفراً . وكان جواسيس السلطان يحصون عليه جميع حركاته وسكناته ، ليقدّموا ذلك إلى السلطان .
فما يروى أنّه كان هووعبدالله نديم الكاتب المصري المشهور في متنزه « الكاغد خانه » فصادفا جناب الخديوي عباس حلمي ، وسلّم بعضهم على بعض ، وتحادثوا نحو ربع ساعة تحت شجرة هناك ، فيقال : إنّ السيد أبا الهدى قدّم تقريراً للسلطان بأنّ جمالالدين وعبد الله نديم تواعدا مع الخديوي على الاجتماع في الكاغد خانه . وهناك عند الاجتماع بايعاه تحت الشجرة ! لكن السلطان بحسب قول جمالالدين لم يحفل بهذه الوشاية .
ولكن هذا الخلاف مع أبي الهدى لم يزعزع مكانة جمالالدين من السلطان ، وربما زاده لديه زلفى ، وإنما أدى إلى وحشة الخليفة منه ، استمراره في مجالسه التي كانت تنتابها الناس دائماً على القدح في شاه العجم ، مما حمل سفير إيران على رفع الشكوى إلى السلطان ، فاستدعى السلطان اليه السيد جمالالدين وقال له : « إنّ سفير العجم ترجاني أن أتكلّم معك في الكفّ عن الوقيعة في الشاه ، وأنا بناءً على أملي فيك وعدته بأنك ستكفّ عنه » وقد روي لي السيد رحمه الله هذه القصة عندما رجعت من أوروبا إلى الآستانة في أواخر سنة 1892 ، فقال لي هكذا بالحرف : « فقلت للسلطان : ما كنت ناوياً أن أترك شاه العجم حتى أنزله في قبره ، ولكن بعد أن أمر أمير المؤمنين بالكفّ عنه ، فلابد من طاعته » . بمثل هذا كان المترجم يخاطب الملوك ، ولا يبالي عن موقع مثل هذا الكلام منهم ، مع أنّ أشدهم حذراً ووسواساً كان السلطان عبد الحميد ، فلا عجب إن وقع في نفسه شيء منه . ولكن ليت السيد كف بالفعل عن أذى الشاه ، إذ لم يلبث أن عاوده الغضب الذي هو العيب الذي عوذ الله به حسناته العديدة ، والذي جرّ عليه كثيراً من المصائب ، حتى قال الشيخ محمد عبده في وصفه : « وكثيراً ما هدمت الحدّة ما رفعته الفطنة » .
ففي أحد الأيام قدم على جمالالدين رجل من العجم ، بابيّ المذهب ، اسمه رضاآقا خان ، صادف أنّه وجد مع جمالالدين في حبس واحد في قزوين عندما اعتقله الشاه ، فحصلت بينهما صحبة أكيدة ، ثم تفارقا عندما أخرج جمالالدين من الحبس ونفي إلى
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 97
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٩٧