مقاصدهم بها حكاية أو إيجادا ، يعني : خبرا أو إنشاء ، ثمّ في الرتبة الثانية الأفعال ، فإنّ للأفعال ظهورا كما للأقوال ، وينشأ بها المعاني الاعتبارية كما ينشأ بالأقوال ، فكما أنّك إذا قلت لشخص : هذه العين لك ، تارة تريد إخباره بأنّها له ، وتارة تريد إنشاء تمليكها له ، فكذلك إذا دفعتها له وأنت ساكت ، قد تريد أنّ دفعها إليه من جهة أنّها ملكه وماله العتيد ، وتارة تريد إنشاء أنّها له ، فتكون من ماله الجديد .
فهذا عقد والتزام ضمني ، ولكنّه فعلي لا قولي ، وهو - مع قصد التعاوض - بيع ، ويشمله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 1 » ، ولكنّه ليس كالعقد القولي يجب الوفاء به ؛ لما عرفت قريبا من أنّ :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 2 » لا تشمل إلّا العقود اللفظية المنشئة لعناوينها الخاصّة بها . ف :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
تثبت مشروعية هذا العقد وأنّه مؤثّر ، ولكن دليل اللزوم قاصر عنها ، فتكون جائزة ، ولكلّ من الطرفين الرجوع ما دام كلّ من العوضين قائما موجودا ، أمّا مع تلفهما أو تلف أحدهما فيأتي اللزوم ، كما هو الشأن في جميع العقود الجائزة كالهبة وغيرها .
وسرّه أنّ المالك سلّطه على العين بجميع شؤونها ، ولازمه أنّ له جميع التصرّفات حتّى الناقلة والموقوفة على الملك ، ولازم ذلك أن لا رجوع مع التلف أو الإتلاف ؛ لأنّ حقّ الاسترجاع إنّما هو مع بقاء العين وقيامها ، أمّا مع تلفها فقد زال الموضوع وسقط الحقّ ولزم العقد .
ومن نفس عنوان هذا النوع من البيع يعلم أنّه لا يتحقّق إلّا بالتعاطي من
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 275 .
( 2 ) سورة المائدة 5 : 1 ، وقد تقدّم في ص 342 - 343 و 348 .