من جميع الجهات يقف في موضعه ولا يتحرّك أصلا . 38
على أنّ جواز ترجّح الممكن من غير مرجّح ينسدّ به طريق إثبات الصانع تعالى . 39
وأمّا قول القائل : إنّ الإرادة مرجّحة بذاتها ، يتعيّن بها أحد الأفعال المتساوية من غير حاجة إلى مرجّح آخر .
ففيه : أنّ الإرادة لو رجّحت الفعل 40 فإنّما ترجّحه بتعلّقها به ، لكن أصل تعلّقها
شرح
38 - قوله قدّس سرّه : « يقف في موضعه ولا يتحرّك أصلا »
لأنّ حركته ترجيح بلا مرجّح ، وهو مستحيل ، ولا تتعلّق القدرة بالمحال . فلا يقدر على التحرّك أصلا . كذا قالوا .
39 - قوله قدّس سرّه : « على أنّ جواز ترجّح الممكن من دون مرجّح ينسدّ به طريق إثبات الصانع تعالى »
ردّ ثان على القائل بجواز أن يختار الفاعل المختار أحد الأمرين المتساويين من دون مرجّح .
حاصله : أنّه إذا كان ترجّح الممكن من غير مرجّح جائزا ، لم يحتج وجود عالم الإمكان إلى مرجّح وصانع ، ولم يمتنع كون جميع الموجودات ممكنة ، فينسدّ باب إثبات الواجب والصانع .
وبعبارة أخرى : إذا كان الفاعل المختار الّذي هو علّة تامّة تستوي نسبته إلى وجود المعلول وعدمه ، زالت العلّيّة ، - وهي رابطة عينيّة ضروريّة - بينهما ، ويلزمه وجود المعلول من دون علّة وعلّيّة ، فينسدّ بذلك باب إثبات الصانع .
ولا يخفى عليك : أنّه ينسدّ بذلك باب إثبات الصانع على المتكلّم الّذي يستدلّ بوجود العالم على صانع له . وأمّا من يستدلّ بالوجود على وجوبه ، من الحكماء المتألّهين ، فله طريق آخر إلى إثبات الصانع لا يضرّه شيء .
40 - قوله قدّس سرّه : « أنّ الإرادة لو رجّحت الفعل »
التعبير ب « لو » الدالّ على الامتناع للدلالة على ما مرّ منه قدّس سرّه سابقا في الفصل الخامس عشر من المرحلة السادسة ، من أنّ المرجّح والمبدء الفاعليّ لأفعال الإنسان الإراديّة هو الإنسان ، والعلم متمّم لفاعليّته ، وأنّ الإرادة والشوق الّذي قبلها من لوازم العلم المتمّم لفاعليّة الفاعل .