قلت : لا معنى لتخلّل العدم بين وجود العلّة التامّة ووجود معلولها بأيّ نحو فرض 11 ، فقد تقدّم 12 أنّ توقّف وجود المعلول على وجود العلّة إنّما يتمّ برابطة وجوديّة عينيّة ، يكون وجود المعلول معها وجودا رابطا قائم الذات بوجود العلّة التامّة المستقلّ . ففرض وجود المعلول في وعاء وعلّته التامّة معدومة فيه ، فرض تحقّق الوجود الرابط ولا مستقلّ معه يقوّمه ، وذلك خلف ظاهر . وفرض وجود العلّة التامّة ولا وجود لمعلولها بعد ، فرض وجود مستقلّ مقوّم بالفعل ولا رابط له يقوّمه بعد ، وذلك خلف ظاهر .
وأمّا حديث الاختيار ، فقد زعم قوم أنّ الفاعل المختار - كالإنسان مثلا بالنسبة إلى أفعاله الاختياريّة - علّة تستوي نسبتها إلى الفعل والترك 13 ، فله أن يرجّح ما شاء منهما من غير إيجاب ، لتساوي النسبة .
شرح
لا يخفى عليك : أنّ كون العلّة التامّة فاعلة بالاختيار إنّما يتمّ بكون الفاعل - العلّة الفاعليّة - فاعلا بالاختيار . وهو أعمّ من أن يكون الفاعل بنفسه علّة تامّة ، كما في فاعليّته تعالى للعالم ، أو أن يكون جزءا من أجزاء العلّة التامّة ، كما في فاعليّة الإنسان لأفعاله المحتاجة إلى مادّة وآلة وغيرهما .
11 - قوله قدّس سرّه : « بأيّ نحو فرض »
إشارة إلى الفرضين اللذين ذكرهما المعترض ، وهما : أن توجد العلّة التامّة ثمّ تنعدم ثمّ يوجد المعلول ، وأن توجد العلّة التامّة ولا معلول بعد ، ثمّ يسنح لها أن توجد المعلول .
12 - قوله قدّس سرّه : « فقد تقدّم »
في الفصل الأوّل .
و : الفاء للسببيّة ، أي فإنّه قد تقدّم .
13 - قوله قدّس سرّه : « أنّ الفاعل المختار - . . . - علّة تستوي نسبتها إلى الفعل والترك »
أي : علّة تامّة تستوي نسبتها . كما يظهر من قوله قدّس سرّه : « وهو خطأ ، فليس الإنسان الفاعل باختياره علّة تامّة للفعل » انتهى . وكذا من قوله قدّس سرّه : « هب أنّ الإنسان المختار ليس بعلّة تامّة » انتهى .