وماضي جاهليتها حتى أظهر اللّه الإسلام على سائر الأديان ، فدخل الناس فيه أفواجا ، وأقبلوا إليه أرسالا « 1 » ، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة واللغات المختلفة ، ففشا الفساد في اللغة العربية ، واستبان منها في الإعراب الذي هو حليها ، والموضح لمعانيها ، فتفطن لذلك من نافر بطباعه سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارف من كلام العرب ، فعظم الإشفاق من فشو ذلك وغلبته ، حتى دعاهم الحذر من ذهاب لغتهم ، وفساد كلامهم ، إلى أن سببوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه ، وتثقيفها لمن زاغت عنه ، فكان أول من أصل ذلك ، وأعمل فكره فيه ، أبو الأسود ، ثم ذكر ما تقدم نقله .
ثم قال : ثم وصل ما أضلوه من ذلك التالون لهم ، 135 ظ / / والآخذون عنهم ، فكان لكل واحد منهم من الفضل بحسب ما بسط من القول ، ومد من القياس ، وفتق من المعاني ، وأوضح من الدلائل ، وبين من العلل » .
قلت : وعلى هذه الطبقة فمن بعدها على الجملة يتنزل قول « أبي نصر الفارابي » « 2 » في كتاب الألفاظ له : « وأكثر ما تشاغلوا بذلك من سنة تسعين من الهجرة إلى مائتين . قال : وكان الذي تولى ذلك من بين أمصارهم - يعني العرب - أهل الكوفة والبصرة من أهل العراق ، ونقلوا لغتهم ، والفصيح منها عن سكان البراري منهم دون أهل الحضر ، ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم ، ومن أشدهم توحشا وجفاء ، وأبعدهم إذعانا وانقيادا . وهم قيس ، وتميم ، وأسد ، وطيّىء ، ثم هذيل ، فإن هؤلاء معظم من نقل عنه لسان العرب ، والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء لأنهم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم ، ومطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطيفة بهم من الحبشة ، والهند ، والفرس ، والسريانيين ، وأهل الشام ، وأهل مصر » اه .
هامش
( 1 ) أرسالا : أي طوائف .
( 2 ) هو محمد بن محمد الفارابي . ت : 339 ه - 950 م . من المتقدمين في صناعة المنطق ، رياضي ، طبيب ، موسيقي ، من تصانيفه : « مراتب العلوم » ، و « المدخل إلى علم المنطق » . انظر :
الفهرست : 382 ، والوفيات : 5 / 153 .