قيل : وما نبأ المصة ؟ قال : إن أمي اشتغلت بطعام تطبخه لأبي ، وأنا رضيع ، فبكيت ، وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا ، فأرضعتني مصة أو مصتين ، ودخل والدي ، فقال : ما هذا ؟ هذه الجارية ليست لنا ، وليس لها أن تتصرف في لبنها ، وأصحابها لم يأذنوا في ذلك ، وفوعني حتى لم يدع في بطني شيئا إلا أخرجه ، وهذه اللجلجة من بقايا تلك الآثار .
فانظر إلى هذا الأمر العجيب الذي يحاسب نفسه عليه ، وهو قد جرى في زمان الصبا الذي لا تكليف فيه .
وهذا ما سمعنا بمثله إلا عن أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - » اه .
ثم ذكر أنه تفقه على أبيه ، وأشار إلى ما تقدم لابن خلكان في إعجاب والده به ، لما كان يرى عليه من مخايل النجابة ، واجتهاده في التحصيل قال :
« حتى صار إلى ما صار إليه ، وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه ، وسلك طريق المباحثة والمناظرة حتى أربى على كثير من المتقدمين ، وأنسى تصرفات الأولين ، وسعى في دين اللّه سعيا يبقى أثره إلى يوم الدين .
قال : - ومن ابتداء أمره - أنه لما توفي أبوه كان سنه دون العشرين أو قريبا منه فأقعد مكانه للتدريس ، وكان يدرس ، ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البيهقي حتى حصل الأصول وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف الإسفرايني ، وكان يواظب على مجلسه .
قال عبد الغافر الفارسي « 1 » : وقد سمعته يقول في أثناء كلامه ، كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة ، وطالعت في نفسي مائة مجلد ، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل حتى فرغ منه ، ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مجلس أبي عبد اللّه الخبازي « 2 » يقرأ عليه القرآن ، ويقتبس من كل
هامش
( 1 ) هو عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي أبو الحسن . ت : 529 ه - 1135 م . من علماء العربية والتاريخ ، والحديث ، فارسي الأصل ، من أهل نيسابور ، له تصانيف منها : « المفهم لشرح غريب مسلم » ، و « مجمع الغرائب » . انظر : الوفيات : 3 / 225 .
( 2 ) هو حسين بن عبد العزيز بن محمد البروجردي الخبازي . ت : 497 ه - 1103 م . كان فقيها ، عالما ، مراعيا للفقراء ، آمرا بالمعروف ، صدوقا . انظر : طبقات الشافعية : 4 / 348 .