وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ
« 1 » ، ومهابة يتضاءل النجم دونها ، وتود الأسود أن تكونها ، ولا تكون إلا دونها ، وفخار لو رأته الأم لقالت : قري عينا أيتها النفس بهذا الولد ، أو [ المزني ] « 2 » لعلم إذ بنات قرائحه انتهت إليه أبكارا ، واتخذ منها ما عز على كل أحد ، وشعار آوى الأشعري منه إلى ركن شديد ، واعتزل المعتزلي المناظرة ، علما أنه
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . . .
« 3 » .
تربى في حجر العلم حتى ربا ، وارتضع ثدي الفضل فكان فطامه هذا النبأ ، وأحكم العربية وما يتعلق بها من علوم الأدب ، وأوتي من الفصاحة والبلاغة ما أعجز الفصحاء وحير البلغاء ، وكان يذكر دروسا كل درس منها تضيق الأوراق العديدة عن استيفائه « 4 » ، غير متلعثم في الكلام ، ولا محتاج إلى استدراك عثرة في لفظه ، بل جار كالسيل منحدرا ، والبرق إذا سرى ، ليعلم المنتقدون « 5 » أنه لا يدرك له حد ، ويعترف المبرزون بأنه « عمل صالحا ، وأحسن في السرد » « 6 » .
قال الثقات : إن ما يوجد في مصنفاته من العبارات قطرة من سيل ، كان يجريه لسانه على شفتيه عند المذاكرة ، وغرفة من بحر ، كان يفيض من فمه في مجالس المناظرة ، اعتنى به والده من صغره ، لا بل من قبل مولده ، وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالا خالصا من الشبهة ، اتصل به إلى والدته ، فلما ولدته له ، حرص على أن لا يطعمه ما فيه شبهة ، ولا أدنى شبهة فلم يمازج باطنه إلا الحلال الخالص ، حتى إنه يحكى أنه تلجلج مرة في مجلس مناظرة ، فقيل له : يا إمام ما هذا 126 و / / الذي لم يعهد منك ؟ فقال : ما أراها إلا أثر المصة ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 283 .
( 2 ) في الأصول : المدرس .
( 3 ) سورة ق ، الآية : 18 .
( 4 ) في طبقات الشافعية 5 / 167 : استيعابه .
( 5 ) في م . س : 5 / 168 : المتعمقون .
( 6 ) اقتباس من قوله تعالى في سورة سبأ ، الآية : 11 :أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.