« وجه إلي إسحاق بن إبراهيم المصعبي « 1 » يوما من الأيام فأحضرني ، فلم أدر ما السبب ، فلما قربت من مجلسه تلقاني ميمون بن إبراهيم - كاتبه على الرسائل - وهو على غاية من الهلع والجزع ، فقال لي بصوت خفي : إنه « إسحاق » ، ومر غير متلبث ، ولا متوقف حتى رجع إلى مجلس إسحاق ، فراعني ذلك ، فلما مثلت بين يديه ، قال لي : كيف يقال : « وهذا المال مالا » ، أو « وهذا المال مال » ؟ .
فعلمت ما أراد ميمون ، فقلت له : الوجه « وهذا المال مال » ، ويجوز :
« وهذا المال مالا » ، فأقبل إسحاق على ميمون بغلظة وفظاظة ، ثم قال : الزم الوجه في كتبك ، ودعنا من يجوز ويجوز ، ورمى بكتاب كان في يده ، فسألت عن الخبر ، فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو في بلاد الروم عن إسحاق ، وذكر مالا حمله إليه ، وكتب « وهذا [ المال ] « 2 » مالا . فخط المأمون على الموضع من الكتاب ، ووقع بخط يده في حاشيته : تكاتبني باللحن ، فقامت القيامة على إسحاق ، فكان ميمون بعد ذلك يقول : ما أدري كيف أشكر ابن قادم ، بقي علي روحي ونعمتي .
قال أبو العباس ثعلب : فكان 114 ظ / / هذا مقدار العلم ، وعلى حسب ذلك كانت الرغبة في طلبه ، والحذر من الزلل .
قال : « وهذا المال مالا » ليس بشيء ، ولكن أحسن « ابن قادم » في التأتي بخلاص ميمون » « 3 » اه .
وحكى « ابن الأبار » « 4 » في « إعتاب الكتاب » « 5 » : « أنه « 6 » كان يتفقد ما يكتب
هامش
- عنه ثعلب : « كان حاذقا بإلقاء العربية » من أهل الكوفة ، وأحد أصحاب الكسائي حدث عن الأصمعي وقدم بغداد . ت : 243 ه - 857 م . انظر : البغية : 1 / 50 .
( 1 ) إسحاق بن إبراهيم المصعبي . ت : 235 ه - 849 م . صاحب الشرطة ببغداد أيام المأمون والمعتصم ، والواثق ، والمتوكل ، وكان ذا رأي وشجاعة . انظر : الكامل : 7 / 52 .
( 2 ) ساقط من « أ » .
( 3 ) انظر : طبقات الزبيدي : 138 - 139 ، وإعتاب الكتاب : 124 - 125 .
( 4 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه ، القضاعي ، الأندلسي ، البلنسي ، المعروف بابن الأبار . - ت : 658 ه - 1259 م . فقيه ، محدث ، حافظ ، مقرئ ، نحوي ، أديب ، لغوي ، كاتب ، مؤرخ ، من تصانيفه : « تكملة الصلة » لابن بشكوال ، و « إعانة الحقير في شرح زاد الفقير » ، و « إعتاب الكتاب » ، و « الحلة السّيراء في أشعار الأمراء » . انظر : عنوان الدراية : 257 - 261 .
( 5 ) انظر : 126 - 127 .
( 6 ) الضمير يعود على المأمون .